السيد محمد تقي المدرسي

273

من هدى القرآن

بالاسترخاء نتيجة الرضا ببعض المكاسب الأولية التي يحصلون عليها ، فإذا بالدنيا تحلو في أعينهم فيخلدون إلى أرض الخفض والدعة ، ويرفضون خشونة الجهاد وعنف المواجهة ويبدؤون مسيرة التبرير ، ويرفعون شعار المعاذير ويحرفون الكلم عن مواضعه ، كما حدث لقوم موسى عليه السلام وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً فراحوا يجادلونه وتباطؤوا في تطبيق قراراته فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [ البقرة : 67 - 71 ] ، ومرة أخرى حينما دعاهم إلى اقتحام بيت المقدس : قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ [ المائدة : 22 ] . قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [ المائدة : 24 ] . فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ لماذا كان طول الأمد سببا لقسوة القلب ؟ . لعل في الآية إشارة إلى قانون الدورات الحضارية الذي ذهب إليه كثير من فلاسفة التاريخ فقالوا : كما الإنسان الفرد يمر بمراحل الصبا فالشباب والكهولة ثم الشيخوخة والهرم ، كذلك المجتمع الإنساني يمر بالمراحل ذاتها ، فأيام شبابه تكون عندما تبعث فيه فكرة خلَّاقة فتفجر طاقاته ، ولكن مع مرور الزمن يُغفلون الفكرة الحضارية التي آمنوا بها بسلبياتهم وشهواتهم ، ويفقدون روح التحدي والتضحية ، ويصيرون إلى ما يشبه حالة الشيخوخة ، وربما نستوحي هذه الفكرة من قوله سبحانه : * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ [ مريم : 59 ] . وهكذا أشارت الآية إلى هذا القانون الطبيعي لكي نتحداه ، ولا ندع طول الأمد يسبب فينا قسوة القلب . ثم إن فلاسفة التاريخ قسموا الأجيال في كل حضارة إلى ثلاثة : جيل البناة ، وجيل الرعاة ، والجيل الذي يليهما والذي تتوقف الحضارة عندهم عن التطور والإبداع . ولكن الفصل بين الأجيال الثلاثة ليس فصلا دائما ، إذ قد تتعايش في برهة زمنية واحدة نماذج من هذه الأجيال جميعا ، فتجد طبقة من الناس لا يزالون في حالة الريادة وهم الذين قد تمكنت الفكرة الحضارية من أنفسهم ، في حين تجد في الوقت ذاته طبقة من الناس منافقين يبحثون عن مصالحهم ويحرِّفون الكتاب بما يتلاءم وشهواتهم ، وتجد آخرين ممن يعيش الحالة الوسطى بين الحالتين . بلى ؛ إن الأغلب هو تلاحق هذه الأجيال ، إلا أن قدرة الإنسان على تحدي الظروف