السيد محمد تقي المدرسي

263

من هدى القرآن

وأي بشرى تلك ؟ إنها عظيمة حقًّا بُشْرَاكُمْ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ كثيرة ومختلفة ، باختلاف الأعمال وقدرها ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وهذه من أفضل نعم الجنة ، نعيم دائم وحياة أبدية . ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ حيث الخلاص من جهنم ، والوصول إلى أعظم تمنيات الإنسان ألا وهو الخلود ، وكل إنسان يشعر في نفسه كم يُنغِّص الخوف من الموت والنهاية عيشه وسعادته ، وقد ضمن الله الخلود للمؤمنين . [ 13 ] أما المنافقون الذين لم يتبعوا الآيات البينات ، ولم يسلموا للقيادة الرسالية والإمامة الصالحة ، ولم يعملوا الصالحات كالجهاد والإنفاق ، أو عملوا ذلك لغير الله ، فهم يظلون في الظلمات والعذاب ، ذلك أن هذه العوامل هي التي تخرج الإنسان من الظلمات لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [ الأحزاب : 43 ] وحيث لم يتمسكوا بها لم يخرجوا منها ، هكذا يقول لهم المؤمنون . يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا أي انتظرونا حتى نستضيء بنوركم نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ وهذا لا يمكن ، لأن الإنسان هو الذي يرسم مصيره بنفسه ، وكُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [ الطور : 21 ] ، فإنْ عَمِلَ الصالحات جنى النور والثواب ، وإن عمل السيئات جنى الظلمة والعذاب ، ثم إن الآخرة ليست محلًّا ليستزيد فيها أحد عملًا ، إنما الدنيا هي دار العمل ، وهناك حساب ولا عمل ، لذلك يأتيهم النداء أن عودوا إلى الدنيا قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً وهذه الآية لا تخص يوم القيامة ، إنما تنفعنا في الدنيا أيضا ، وذلك بأن نعلم أنها الفرصة الوحيدة التي يمكن فيها التغيير والرجوع عن الخطأ بالتوبة والعمل الصالح ، وربنا ينقل لنا هذه الصورة من القيامة لنتصور واقع الحسرة فنسعى لاجتنابها ونحن في الدنيا ، ولأن الآخرة دار الفصل فإن الله لا يدع للمنافقين فرصة للاختلاط بالمؤمنين ، بلى ؛ ربما استطاعوا في الدنيا أن يخفوا نواياهم وشخصياتهم الحقيقية ، فتعايشوا وسط المجتمع المؤمن متطفلين ، ينتفعون بظاهر الإيمان من مكتسبات الأمة ، ويغتنمون الفرص ليحصلوا على مصالحهم ويحققوا أهدافهم ، أما في الآخرة فلا يجدون طريقا إلى النفاق . فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ من جهة المؤمنين ، وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ أي الباب ذاته فيه عذاب لكيلا يدنو منه المنافقون ، وربما جعل الله في السور بابا لكي يلج منه التائبون ، والمشفوع لهم بإذن الله ، ومن تَطَهَّر بالنار من النفاق ، فهناك من المنافقين من هو في أسفل درك وهؤلاء يخلدون في العذاب ، وهناك من عندهم نِسَبٌ محدودة من النفاق يعذبون بسببها ثم يدخلون الجنة ، وقد قال الله تعالى : وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً [ الأحزاب : 24 ] ، وإنما يؤكد الله هذه الحقيقة لتتبين لنا رحمته ،