السيد محمد تقي المدرسي
264
من هدى القرآن
ولكيلا ييأس أحد من التوبة بعد التورط في الخطأ ، ولو كان ذلك في مستوى النفاق . [ 14 ] وبعد أن يُضرب السور بين الفريقين في الآخرة ينادي المنافقون المؤمنين ، والنداء يختلف عن القول ؛ بأن القول يعني المخاطبة عن قرب ، أما النداء فهو المخاطبة عن بعد ، أو من وراء حجاب وبصوت مرتفع يقصد به المنادي إسماع الطرف الآخر كلامه ، يُنَادُ ونَهُمْ نداء استغاثة وحسرة : أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ، وهناك يجيبهم المؤمنون بما هو قول فصل : أولًا : ببيان حقيقة الانتماء ، بأنه ليس مجرد التشدق اللفظي ، إنما يتحقق الانتماء بالعمل المتجانس ، والخط المشترك ، وهذا ما لم يتحقق في واقع المنافقين ، لأنهم أوقعوا أنفسهم في الفتنة حين اجتنبها المؤمنون ، وتربصوا حين أقدموا ، وشككوا حين تيقنوا ، واغتروا بالأماني حين سعوا ، واستجابوا لنداء الشيطان حين استعاذوا منه ، وامسكوا بخلا وأمروا الناس به حين أنفقوا . وثانيا : ببيان مراحل التسافل والهلاك عند الإنسان ، وهذه أوضح آية في القرآن من حيث ترتيبها بالتتالي ، وهي : المرحلة الأولى : الافتتان ، والفتن لغويًّا هو وضع المعدن كالذهب في النار ، وسمي الابتلاء فتنة لأن الإنسان أثناءه يكتوي بنيران الحوادث والمتغيرات ، ويواجه التحديات والضغوط الصعبة والحاسمة بعض الأحيان ، والسؤال : كيف يَفْتِنُ الإنسان نفسه ؟ . ونجيب : حينما يريد الإنسان أن يكون مخلصا لربه ، بعيدا عن الضلالة والانحراف ، يجب أن يتجنب مضلات الفتن ومظانها ، فلا يدخل فيها ولا يتفاعل معها ، إنما يكون كما نصح أمير المؤمنين عليه السلام : « كُنْ فِي الفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ ولَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ » « 1 » ، فلا يسافر في البلاد التي تصرعه فيها الفتن ، أو يقع فيها بيد الظالم ، ولا يقرأ أو يتصفح الكتب والمجلات التي تضله ، ولا يدخل في الصراعات السياسية والاجتماعية التي تضر بدينه ، وقال الإمام علي عليه السلام : « لَا تَقْتَحِمُوا مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ الفِتْنَةِ ، وأَمِيطُوا عَنْ سَنَنِهَا ، وخَلُّوا قَصْدَ السَّبِيلِ لَهَا » « 2 » ، وهذا هو حال المؤمن . إنه يحتاط لدينه ، ويمشي في الأرض كما يمشي المقاتل في حقل الألغام ، أما المنافق والكافر الذي يبحث عن المغانم الدنيوية فإنه يقتحم الفتن ، ويخوض فيها خوضا ، لهثا وراء الدنيا ، كما تبين الآية ( 20 ) . قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ أي أدخلتموها في الفتنة بإرادتكم ، بهدف اللهو واللعب والزينة والتفاخر والتكاثر في حطامها وملذاتها ، وهناك فرق بين من يتعرض للفتنة
--> ( 1 ) نهج البلاغة : حكمة 1 . ( 2 ) نهج البلاغة : خطبة : 187 .