السيد محمد تقي المدرسي

235

من هدى القرآن

وحيث تبلغ الروح الحلقوم يتيقن الإنسان بكثير من الحقائق التي طالما داهن بها وكذب واسترزق ، فيذهل عن كل شيء ، ويأسف على ما فرط ، ويرى أن الواقع الذي يعانيه هو نفسه الذي جاء في حديث الله ورسالته للعالمين : « وإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ ويَسْمَعُ بِأُذُنِهِ عَلَى صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ وبَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ ، يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمُرَهُ وفِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ ، ويَتَذَكَّرُ أَمْوَالًا جَمَعَهَا أَغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا وأَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا ومُشْتَبِهَاتِهَا ، قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا وأَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا ، تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ فِيهَا ويَتَمَتَّعُونَ بِهَا . . . . ثُمَّ ازْدَادَ المَوْتُ التِيَاطاً بِهِ فَقُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ ، وخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ فَصَارَ جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ قَدْ أَوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهِ وتَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ » « 1 » . هكذا قهر الله عباده بالموت ، وبه يتحدى غرور البشر وضلالهم ، ويعالج كفرهم بالجزاء فيقول : فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ أي إن زعمتم أنكم غير مجزيين بأعمالكم ، وقيل : إنكم غير مملوكين . تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ولكن كيف يكون الموت دليل الجزاء ؟ والجواب : إن هذا وذاك حق واقع مفروض ، والموت كما الجزاء يخشاه الإنسان فيتهرب من الاعتراف به حتى يكذبه ، حتى جاء في الحديث أنه الحق الذي يشبه الباطل حيث لا يكاد يصدق به أحد لعظيم شأنه في نفوس الناس ، ولكن هل ينتفي الموت بتكذيبه ، أو يمكن الفرار منه ؟ كلا . . كذلك الجزاء . إن الله يأخذ الروح ويدفعها للجزاء . فإذا كان أحد يدعي قدرة على تحدي سنة الجزاء فليردها ممن أخذها ؟ . [ 88 ] وحينما يحلُّ الأجل يزهق كل باطل إلا الحق الذي بشَّرت به رسالة الله ، فإنه يصير ماثلًا أمام ابن آدم ، فما أخبر به الله من انقسام الناس إلى ثلاثة أزواج لا يعود كذبا ولا ظنا ولا حتى مجرد إيمان بل يجده واقعا ماثلا أمامه . فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ إلى الله بإيمانهم وأعمالهم فَرَوْحٌ أي راحة واطمئنان وسعادة ، وَرَيْحَانٌ ، جاء في الأخبار أنه من أزهار الجنة وروائحها يُشِمُّهُ ملك الموت المؤمن فلا يحس بمنازعه الروح وخروجها . ويلقى المؤمن هذين الجزاءين عند موته ، قال الإمام الصادق عليه السلام وقد تلا الآية : فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ يَعْنِي في قَبْرِهِ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ يَعْنِي في الآخِرَةِ » « 2 » . وقد تعرضت السورة في أولها إلى ذكر شيء من نعيم السابقين المقربين . قال رسول الله صلى الله عليه وآله : « إِذَا أَرَادَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَبْضَ رُوحِ المُؤْمِنِ قَالَ : يَا مَلَكَ المَوْتِ انْطَلِقْ أَنْتَ وَأَعْوَانُكَ إِلَى عَبْدِي فَطَالَمَا نَصَبَ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي فَأْتِنِي بِرُوحِهِ لِأُرِيحَهُ عِنْدِي ، فَيَأْتِيهِ مَلَكُ المَوْتِ بِوَجْهٍ

--> ( 1 ) نهج البلاغة : خطبة : 109 . ( 2 ) نور الثقلين : ج 5 ، ص 228 .