السيد محمد تقي المدرسي
213
من هدى القرآن
هدى من الآيات : بعد أن درس أعقد مضامين الفلسفة كنظرية الفيض والدور والتسلسل ، وقانون العدم والوجود ، مر أحدهم بعجوز تحرك المغزل ، وسألها : كيف عرفتي مدبر الكون ؟ فأجابته بفطرتها وإيمانها البسيط - بعد أن أوقفت النسج - : هكذا عرفت أن للكون مُدَبِّراً . لكنه ظل حائرا لم يدرك شيئا من قصدها ، فبادرته : إن المغزل يقف حينما لا أعمل ، فكيف لا يكون لهذه الأرض المدحية ، والسماء المبنية على ما فيهما من الحياة والحركة والتحول مدبر ؟ ! . هكذا الكثير من الحقائق التي نعيش معها كل لحظة نبقى ساهين عنها دون أن نهتدي إلى عِبرَها ، فالخلق ، والموت ، والنشأة ، والزرع ، والماء ، والنار كلها من أقرب الحقائق إلينا وأكبرها شهادة وهدى لو وعيناها ، والإنسان قادر على أن يجعل الحياة كلها مدرسة ، وما فيها من الظواهر والعبر دروسا يكمل بها إيمانه ومعرفته ، فيهتدي بالشهود إلى الغيب ، وبالحاضر إلى المستقبل ، وبالمخلوق إلى الخالق ، إلا أن المشكلة لا تكمن في قلة العبر وإنما هي في قلة الاعتبار والمعتبر ، فالمواعظ على كثرتها ووضوحها كالشمس هل يراها من غض بصره أو استتر بحاجب ؟ ! . من هنا فإن أهم أهداف الرسالات الإلهية رفع الحجب التي بيننا وبين الحقائق ( الإصر والأغلال ) العلمية بالتعليم ، والنفسية بالتزكية لنلمسها مباشرة ، قال الله : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ الجمعة : 2 ] . أرأيت الذي ضل عن ابنه فَدُلَّ عليه ؟ أرأيت كيف يعرفه ؟ كذلك الذي عاش في ضلال مبين عن حقائق يعشو عنها وهي قريبة منه كيف يهتدي إليها لو كُشف عن بصره الستار ؟ وقد لا تكون حاجة الإنسان لكي يستوعب الحقائق التي تهدي الآيات إليها ، ويؤمن بها إلى المعلومات والمعارف ، بقدر حاجته إلى يقظة الضمير وإثارة العقل . وإنما يترف الإنسان ، ويصر على الشرك ، ويكفر بالآخرة بسبب ضلاله عن ربه ، وقدره حق قدره . ولذلك يذكره القرآن بآيات معرفته الدالة إليه ، وقد تكون تلك الآيات أقرب شيء إليه ( كالخلق ) ولكنه غافل عنها . بينات من الآيات : [ 57 ] لأن الإنسان مخلوق فإن خلقه هو أقرب الأشياء . هل حدث أن بحثت عن شيء ثم اكتشفت أنه كان في يدك أو جيبك وأنت ساهٍ عنه ؟ أوتدري أين كان الخطأ ؟ إنه في المنهج . لقد بحثت عنه طويلا في أمتعتك ، أو عند أهلك