السيد محمد تقي المدرسي

214

من هدى القرآن

وأصدقائك ، لقد حسبته بعيدا عنك فضللت عنه ، وحين عدت إلى نفسك وفتشت عنه لديها وجدته ، كذلك الحقائق الكبرى إنما ضل عنها البشر حين فتشوا عنها بعيدا ، وهي أقرب إليهم من حبل الوريد ، هل سمعت عن ذلك الفيلسوف الذي بحث عن الحقيقة في النظريات المعقدة فلما وقف على عجوز تغزل وسألها بم عرفت ربها أوقفت مغزلها وقالت بهذا ، وأضافت : أنا حينما تركت المغزل وقف . فكيف لا تقف السماء عن الحركة . أليس لها محركا مدبرا ؟ وكان درس العجوز أقرب إلى قلبه من كل نظريات الفلسفة . لماذا ؟ لأنها تحدثت معه بلغة الوجدان . . بأقرب الأشياء إليه ، كذلك نحن أمام حقيقة الخلق ، من الذي خلقنا وأوجدنا ؟ حيث إن الإنسان يجد نفسه أمام افتراضات ثلاث : أولًا : فهل الإنسان هو الذي أوجد نفسه ، فيكون ذاته الذي خلق ذاته ؟ وهذا لا يُقِرُّه عقل ولا علم ، فقد بدأ نطفة لا علم له ولا إرادة ، ثم نشأ حتى صار طفلًا سوياً لا حول ولا طول لديه ، وكفى بجهله نفسه وعقله وبدنه دليلا على أنه ليس الخالق . أم أن والديه خلقاه مع أننا نعلم يقينا أن تقلبه في صلب أبيه ، ثم تناميه في رحم أمه قد تم بعيدا عن علمهما وإرادتهما . ثانيا : ويقول البعض أنه الدهر يميتنا ويحيينا في دورة أبدية ، وقد يعبر عنه البعض بالطبيعة ؛ هذه السماء والأرض والماء والطين هذا الكون برمته ومجموعه لا بجزئياته جزءاً جزءاً هو في صيرورة أزلية ، وإنما الحوادث في الجزئيات وتطال الظاهر فقط . فهل حقاً هذا الكون أزليٌّ ؟ . [ كلا . . إن جميع شواهده تدل على حدوثه ( تطوره ، تناميه ، تناقصه ، حاجة بعضه إلى بعضه ، تركيب أجزائه بدقة وتناسق ) إن هذه آيات الحدوث . . بل كل اكتشافات العلم تهدي إلى أن للوجود عمرا محدودا ، فالحرارة المتاحة للحياة تتناقص ، وعمر النجوم محسوب ] « 1 » . أفلا يرجعون إلى أنفسهم ويسألون : من الذي خلق الطبيعة ، وأركز فيها قوانينها ، وفتقها بعد رتقها ، وألفَّ بين أزواجها ، ونظم شؤونها . أوليس الخالق العليم المدبر الحكيم ؟ . ثالثاً : [ ويقولون إن الكون جاء صدفة ويسير بغير دليل . ما هي الصدفة ؟ أولا تعني الصدفة أن حادثتين وقعتا في حالة واحدة ، وكان لكل واحدة منهما سببا ، إلا أنه كانت في وقوعهما معا نتيجة جديدة ؟ هذه هي الصدفة التي نعرفها ، ولا نعرف الصدفة عملا بغير عامل ، أو خلقا دون خالق ، أو حادثا دون سبب ] « 2 » .

--> ( 1 ) الفكر الإسلامي : للمؤلف ص 159 ، ط 5 ، 1407 ه - / 1988 م ، عن دار البيان بيروت . ( 2 ) الفكر الإسلامي : ص 159 . للمزيد راجع الكتاب نفسه تجد بحوث مطولة بهذا الشأن .