السيد محمد تقي المدرسي

209

من هدى القرآن

ذلك أن الرسالة كانت تخبرهم بأن الآباء سوف يبعثون من جديد ، ويحاكمون عَلَناً ، ويلقون الجزاء العادل إن خيراً فخير وإن شرًّا فشر . . وكان من الصعب على من يقدس آباءه أنى كانوا قبول فكرة محاكمتهم ومجازاتهم ، على أن بعث الآباء أبعد في ذهن السذج من بعث من هم لا يزالون أحياء . والشيء الآخر أنهم لا يرون حديثهم عن المستقبل كافيا لتدعيم فكرتهم ونظرتهم الشيئية المغرقة بواقع محسوس ، والآباء الأولون هم تراب وعظام بالفعل ، وهذا يتناسب مع ضلالهم وإضلالهم غيرهم عن فكرة الآخرة والتي هي جانب من الغيب المستقبل . [ 49 - 50 ] ويرد ربنا على هذه الشبهة ردًّا موضوعيًّا صاعقاً على لسان رسوله صلى الله عليه وآله بالوحي : قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ ، وربما كان في فعل الأمر قُلْ تحقير لهم بأنه تعالى لا يكلمهم مباشرة ، ولعل أهم ما توحي به ظلال قُلْ أن هذه الحقيقة يجب أن تقال صراحة ، وأنها من مفردات الدعوة إلى الله ورسالاته ، كقوله سبحانه : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ الاخلاص : 1 ] . وقال بعضهم : إن كلمة قُلْ تدل على أن هذه الحقيقة من القضايا العامة التي يشترك فيها العوام والخواص « 1 » ، وقدم ربنا الأولين على الآخرين لأنهم استبعدوا بعثهم ، ولكيلا يتوهم أحد أن بعث الأقدمين الذي تحللوا وتبعثروا ولم تبق منهم حتى الآثار أصعب عليه ( سبحانه ) كلا . . فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ [ الصافات : 19 ] جميعهم ، لا فرق بين مالك ومملوك ، وذكر وأنثى ، ولا أول وأخير ، وهذا هو القرآن يؤكد مرة أخرى بعد إِنَّ على البعث ، وأن الناس : لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ عند الله ، وكونه جزءا من العلم فهو واقع ، وليس بظن أو تخرُّص أو كذب ، وبالنظر إلى آيات قرآنية فإن علم الساعة اختص به الرب ، ولعله سبحانه لم يحدد لها وقتا كما يستوحى من قوله سبحانه : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا [ طه : 15 ] ، من هنا فإن اليوم معلوم الوقوع لا معلوم الوقت . وهنالك يقف الجميع أمام الله للحساب ، لا فرق بين أحد وأحد ، ولا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً [ لقمان : 33 ] ، فلماذا الاعتماد إذن على الآباء بدل الحق ؟ ! ولعل يَوْمٍ هنا اسم للمكان ، ومِيقَاتِ يشير إلى الزمان ، كما تقول : مواقيت الحج ، وربما تتسع الآية لمعنى آخر : أن الناس يبقون مختلطين مع بعضهم وهكذا المجرمون إلى يوم القيامة حيث يصبح الناس أزواجا ثلاثة ، حسب التعبير الوارد في هذه السورة ، وتتقطع الوشائج كما قال ربنا سبحانه : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ [ الروم : 14 ] . وتوحي كلمة إِلَى في هذه الآية بالسَّوق ، وكأنهم يجمعون ثم يُساقون إلى ذلك الميقات ، كما قال سبحانه : مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ

--> ( 1 ) راجع الرازي في تفسير الآية .