السيد محمد تقي المدرسي
210
من هدى القرآن
يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [ القمر : 8 ] ، ومثل التعبير في آية الواقعة نجده في قوله سبحانه : قُلْ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [ الجاثية : 26 ] . [ 51 - 55 ] ويوجه القرآن الخطاب إلى أصحاب المشأمة مشيرا إلى أهم صفتين تميزهم : ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ فالأمر يومئذ لا ينتهي عند البعث ، فهناك ما هو أعظم مما يليه وهو الجزاء ، الذي يشكِّل إنكاره العامل الحاسم والرئيس في كل انحرافات البشر . ويزعم البعض أن تكذيبه بالآخرة يخلصه مَنْ مسؤوليته ، وكأن من يصدق بشيء هو وحده يتحمل مسؤوليته ! كلا . . إن التكذيب ليس فقط لا ينجي صاحبه من عاقبة أفعاله ، بل هو بذاته جريمة توجب عقابا شديدا ، وكما التكذيب الضلالة فإنها لا تبرر الجرائم إذ إنها من فعل الإنسان نفسه ، كما أن الهداية من مسؤولياته . أَوَليس قد وفر الله لنا أسباب الهداية ، فمن ضل فإنما يضل على نفسه . ولعل تقديم التكذيب على الضلالة في آخر السورة ( الآية 92 ) خلافا لما عليه هذه الآية يهدينا إلى أن ( الضلال والتكذيب ) كلاهما سبب للآخر ومسبب له ، فالمكذب بالحق يضل ، والضال يكذب بالحق . ولأن الضال ربما يهتدي بالحكمة البالغة والموعظة الحسنة إلى الحق ، ويعود عن ضلاله ، فقد وصف ربنا المعنيين بالمكذبين ( صيغة تدل على الكثرة واستقرار الصفة ) ليبين بأنهم من المتعمدين الضلال المصرِّين عليه . أما عاقبة تكذيبهم وضلالهم فهي العذاب الشديد . إنهم : لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ قالوا : إنها كريهة المنظر ، وثمرتها سوداء مرة منتنة ، وهي تنبت في قلب جهنم ، ويمتد منها غصن إلى كل منزل وفرد فرد ، وجاء في القرآن إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ( 64 ) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ [ الصافات : 46 - 56 ] « 1 » ، والذي يجعلهم ينجبرون على الأكل منها زجر الملائكة ، وكونهم لا يجدون سواها ، ولعلهم بسبب السموم والحميم وظل اليحموم قد بلغت حاجتهم إلى الأكل أقصى حدها ، وقد جاء في الحديث : « إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ ابْنَ آدَمَ أَجْوَفَ ولَا بُدَّ لَهُ مِنَ الطَّعَامِ والشَّرَابِ » « 2 » . ولعل هذا العذاب يأتي جزاء الترف الذي اتبعوه في الدنيا ، على حساب حقوق الله وحقوق الناس ، فلم يكونوا يحسون عندما كانوا يتلذذون بألوان النعم بمن حولهم من المستضعفين والمحرومين والفقراء ، وكانوا يجمعون المال ويكنزون الذهب والفضة دون أن يتورعوا عن الحرام ، فنظامهم الاقتصادي قائم على أساس الابتزاز ، والظلم والربا والاحتكار
--> ( 1 ) وللمزيد راجع تفسيرنا هناك . ( 2 ) الكافي : ج 6 ، ص 286 .