السيد محمد تقي المدرسي

197

من هدى القرآن

[ 25 - 26 ] بعد راحة الجسد يحدثنا السياق عما يريح القلب ، فأوله : اعتزاز النفس بماضيها ، وحسن انتخابها لسعيها ، والثاني : طهارة الجو من الكلام البذيء ، فلا يتنابزون بالألقاب ، ولا يترامون التهم والغيبة ، ولا يمشون بالنميمة . كلا . . ولا يقولون لبعضهم : أثمت ، وفعلت كذا ، وتركت كذا ، كما يقول البعض للمؤمنين في الدنيا ، وكما يتبادل غيرهم القول دائما . لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً من الغيبة والتهمة والنميمة وَلا تَأْثِيماً فحشا ، واستهزاءً وسخرية . لقد صبروا أياما قليلة على جراحة اللسان ، ولم ينهزموا أمام الدعاية البذيئة التي نفثتها أبواق الشياطين ، فأعقبتهم راحة طويلة من الحياة الهنيئة . وإذا فكرنا في أسباب الشقاء في الدنيا لعلمنا أن أشدها أثرا ، وأبلغها ألما هي سموم الألسنة البذيئة ، ولا أثر لها في الجنة . لماذا ؟ لأن هذه الألسنة تنطق عن قلوب مليئة بالأحقاد ، والآلام ، والعقد ، والجنة نظيفة من كل ذلك ، فقد نزع الله سبحانه عن قلوب أهلها كل غل ، وتحاسد ، وطمع ، وحرص ، كما رفع عنهم الآلام ، وأسبغ عليهم النعم ، فانعدمت عوامل اللغو والتأثيم إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً ، إن الأخطار التي تحيق بأهل الدنيا ، وتفرز الصراعات ، والعداوات ، والخوف ، والقلق ، والنفاق ؛ إنها معدومة في الجنة ، فكل ما فيها طمأنينة ، وسكينة ، وأمن ، وراحة ، ولا بد إذن أن تنعكس كل تلك النعم الظاهرة في الأفئدة وعلى الألسن في قول السلام ، هذا يسلم عليك وأنت ترد عليه السلام . بلى ؛ أهل الجنة صنعوا لأنفسهم في الدنيا مجتمع السلام ، والحب ، والتعاون ، فلم يحسدوا أحدا على نعمة ، ولم يحقدوا على أحد لمصلحة ، ولم يحجبوها عن الله بالوساوس والظنون ، ولم يُدَنِّسوا ألسنتهم بالفحش والسُّباب ، فأعطاهم الله كل ذلك كاملا وافيا في الجنة . رزقنا الله جميعا توفيق طاعته في الدنيا ، ونعيم جنته في الآخرة .