السيد محمد تقي المدرسي
168
من هدى القرآن
الغليظ ] « 1 » ، وقالوا : [ إن ما كان حشوه حريرا خالصا فظاهره يكون كذلك بالأحرى ] . والآية بكل مفرداتها وإيحاءاتها تعبير بليغ عن أقصى غايات الراحة ، فهم متكئون وعلى فرش الحرير الناعم البارد والمريح ، ومن حولهم كل صنوف الفواكه ، ومن تحتهم الأنهار بأنواعها ، وتظلهم الأغصان النضرة الخضراء الندية . وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ الإنسان في الدنيا لا يحصل على شيء إلا بالتعب وبذل الجهد ، والفلاح لا شك في أنه يلقى تعبا في الحصاد وقطف الثمار ، لأن بعضها بعيد عن متناول يده ، فلا بد أن يتمطى لقطفها أو يركب الشجرة أو يستخدم وسيلة لذلك ، أي أنه لا بد أن يبذل جهدا إما في الآخرة فإن ثمر الجنة متدلٍّ قريب متى ما اشتهى المؤمن شيئا منه تناوله بيده عن قرب ودنو ، أو يتدلى إليه الغصن بقدرة الله ، فهو لا يتعب من أجل ذلك ، وفي الكلمة إيحاء بأن الثمر في غاية النضج ، وعلى الدوام ولا يتلف ، يقال : دنت الثمرة إذا نضجت واقترب قطافها . والسؤال الذي يطرح نفسه هو : لماذا حدثنا ربنا بصيغة المضارعة عن الاتكاء ، والحال كما نفهم أن الصيغة يجب أن تكون للمستقبل ( سيتكئون ) ؟ . الجواب : لأن المتكلم هو الله ، وما يريده الله ويعد به يحدث لا محالة ، وسواء عنده تحدث بصيغة الماضي أو الحاضر أو المستقبل ، لأنه قادر فعلا على تحقيقه ، مثل قوله على صيغة الماضي : وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ [ الأنبياء : 86 ] ، أو بصيغة المستقبل كقوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [ النساء : 57 ] ، أو بكليهما : أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [ النحل : 1 ] ، فقد أكد وقوع أمره بصيغة الماضي أَتَى حتى لكأن أمره وقع فعلا ، ولكنه استدرك قائلا : فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ دلالة عدم تحقق وقوعه . نعم . بالنسبة للمخلوق لا يصح منه القول : فعلت أو سأفعل إذا كان يريد شيئا في المستقبل ، لأن إرادته محدودة بإطار مشيئة الله ، وقد تعجزها الظروف والعقبات وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً [ فاطر : 44 ] . وبعد أن يشير القرآن إلى اتكاء المتقين الخائفين مقام ربهم على فرش الحرير ، بين صنوف الفواكه الدانية يوجه خطابه إلى الثقلين : بماذا تكذبان من هذه الآلاء الربانية ؟ . هكذا بعد ذكر كل نعمة من نعيم الآخرة يأتي هذا التساؤل ليهدينا إلى ضرورة حمد الله وشكره على آلائه في الدنيا عند كل خير ونعمة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ .
--> ( 1 ) تفسير الرازي : ج 29 ، ص 126 .