السيد محمد تقي المدرسي

169

من هدى القرآن

[ 56 - 57 ] فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ جاء في المنجد : [ الطمث : الدنس والفساد ] « 1 » ، وسمي دم الحيض طمثا لفساده ، وحيث إن البكارة عنوان الطهر والعفة عند المرأة ، فإن افتضاض بكارتها ، وخروج الدم دليل فساد المرأة أو فساد بكارتها التي تذهب بذلك ، ولا ريب أن الواحد يأنس بالبكر ويرغب إليها أكثر من الثيب ، وحور كل جنة إنما خلقن لصاحبها لا يسبقه إليهن أحد من الخلق ، وحيث يأتيهن يرى علامة ذلك فهن طاهرات . ولكن لماذا يقول الله وَلا جَانٌّ ؟ ربما لأن الجنة للمؤمنين من الإنس والجن ، فأراد التأكيد على عدم سبق أحد إليهن ، والتأكيد على الطهارة الشاملة ؛ ذلك أن الشيطان يوسوس للمرأة ، ويثير غلمتها عبر الخيال ، وبالذات حين بلوغها ، وقد تنتهي بها تلك الوساوس حتى تفض بكارتها بصورة أو بأخرى ، ولذلك جاء في القرآن الأمر بالتعوذ منه . ويسبق تأكيده تعالى على طهارتهن ( المادية ) بعدم الطمث ، بيان لطهارتهن المعنوية ، فهن قد قصرن طرفهن ( العيني والنفسي ) من غير أزواجهن ، قال أبو ذر : [ أَنَّهَا تَقُولُ لِزَوْجِهَا : وَعِزَّةِ رَبِّي مَا أَرَى فِي الجَنَّةِ أَخْيَرَ مِنْكَ ، فَالحَمْدُ لله الَّذِي جَعَلَنِي زَوْجُكَ وَجَعَلَكَ زَوْجِي ] « 2 » . وهكذا حال الطاهرات العفيفات من النساء ، وحال الأزكياء من الرجال أنهم يمنعهم خوف مقام ربهم أن يمدوا عيونهم إلى ما حرم الله عليهم ، وإذا كان الأمن في الآخرة جزاء خوفهم في الدنيا ، والراحة ( اتكاؤهم على الفرش ) جزاء تعبهم وعملهم الدؤوب فيها ، فإن تلكم الحور جزاء لطهارتهم في الدنيا ، بغضِّهم من أبصارهم ، وترفعهم عما حرم الله ، استجابة لدعوته ، والتزاما برسالته قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [ النور : 30 ] ، ولعلنا نهتدي من علاقة قصر الطرف بالطمث ، أن النظرة المحرمة قد تنتهي إلى الزنا ، وذلك مضمون روايات كثيرة ، منها قول نبي الله عيسى : « لَا تَكُونَنَّ حَدِيدَ النَّظَرِ إِلَى مَا لَيْسَ لَكَ ، فَإِنَّهُ لَا يَزْنِي فَرْجَكَ مَا حَفِظْت عَيْنَيْك ، وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا تَنْظُر إِلَى ثَوْبِ المَرْأَةِ الَّتِي لَا تَحِلُّ لَكَ فَافْعَل » « 3 » . وربما نهتدي بذلك إلى أن الجنتين ليستا منزلا لمن خاف ربه من الرجال فحسب ، بل حتى للمؤمنات العفيفات ، اللواتي منعهن خوف الله حتى من مجرد النظر الحرام فهن من السابقات الطاهرات ، وربنا يجعلهن يوم القيامة سيدات نسائها ، وأعظم جمالا ، جزاء تقواهن وطهارتهن ، حيث يجعلهن كالياقوت والمرجان ، ولا ريب

--> ( 1 ) راجع مادة طمث . ( 2 ) بحارالأنوار : ج 8 ، ص 104 . ( 3 ) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام ) : ج 1 ، ص 62 ، شرح نهج البلاغة : ج 20 ، ص 236 .