السيد محمد تقي المدرسي

167

من هدى القرآن

وأَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ ، قَدْ بَرَاهُمُ الخَوْفُ بَرْيَ القِدَاحِ ، يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى ومَا بِالقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ ، ويَقُولُ : لَقَدْ خُولِطُوا ، ولَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ . لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ القَلِيلَ ولَا يَسْتَكْثِرُونَ الكَثِيرَ ، فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ ، ومِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ ، إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ ، فَيَقُولُ : أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي ، ورَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي ، اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ ، واجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ ، واغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ ، فَمِنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينٍ ، وحَزْماً فِي لِينٍ ، وإِيمَاناً فِي يَقِينٍ ، وحِرْصاً فِي عِلْمٍ ، وعِلْماً فِي حِلْمٍ ، وقَصْداً فِي غِنًى ، وخُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ ، وتَجَمُّلًا فِي فَاقَةٍ ، وصَبْراً فِي شِدَّةٍ ، وطَلَباً فِي حَلَالٍ ، ونَشَاطاً فِي هُدًى ، وتَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ ، وهُوَ عَلَى وَجَلٍ يُمْسِي وهَمُّهُ الشُّكْرُ ، ويُصْبِحُ وهَمُّهُ الذِّكْرُ ، يَبِيتُ حَذِراً ، ويُصْبِحُ فَرِحاً ، حَذِراً لِمَا حُذِّرَ مِنَ الغَفْلَةِ ، وفَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ ، إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا تُحِبُّ ، قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لَا يَزُولُ ، وزَهَادَتُهُ فِيمَا لَا يَبْقَى ، يَمْزُجُ الحِلْمَ بِالعِلْمِ ، والقَوْلَ بِالعَمَلِ ، تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلًا زَلَلُهُ ، خَاشِعاً قَلْبُهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ ، مَنْزُوراً أَكْلُهُ ، سَهْلًا أَمْرُهُ ، حَرِيزاً دِينُهُ ، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ ، مَكْظُوماً غَيْظُهُ ، الخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ ، والشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ ، إِنْ كَانَ فِي الغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ ، وإِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ ، يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ ، ويُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ ، ويَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ ، بَعِيداً فُحْشُهُ لَيِّناً قَوْلُهُ ، غَائِباً مُنْكَرُهُ ، حَاضِراً مَعْرُوفُهُ ، مُقْبِلًا خَيْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ ، فِي الزَّلَازِلِ وَقُورٌ ، وفِي المَكَارِهِ صَبُورٌ ، وفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ ، لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ ، ولَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ ، يَعْتَرِفُ بِالحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ ، لَا يُضِيعُ مَا اسْتُحْفِظَ ، ولَا يَنْسَى مَا ذُكِّرَ ، ولَا يُنَابِزُ بِالأَلْقَابِ ، ولَا يُضَارُّ بِالجَارِ ، ولَا يَشْمَتُ بِالمَصَائِبِ ، ولَا يَدْخُلُ فِي البَاطِلِ ، ولَا يَخْرُجُ مِنَ الحَقِّ . إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ ، وإِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ ، وإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ ، نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ ، والنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ ، أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِآخِرَتِهِ ، وأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ ، بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ ونَزَاهَةٌ ، ودُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ ورَحْمَةٌ ، لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وعَظَمَةٍ ، ولَا دُنُوُّهُ بِمَكْرٍ وخَدِيعَةٍ . . . » « 1 » . هذا في الدنيا ، أما في الآخرة فإنهم ينوون مواصلة التعب شكرا لله ، ولكنهم فور ما يسجدون يخاطبهم الجليل الأعلى ليس هذا يوم تعب وعبادة ، إنها دار الراحة والحصاد بعد تعب الدنيا وعملها . مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ أي داخل المتكأ وحشوه من الديباج الغليظ ، والإستبرق كما قالوا : [ كلمة معربة من قولهم : ( ستبرك ) وهو مصغر ( ستبر ) بمعنى الثخين

--> ( 1 ) نهج البلاغة : خطبة 193 .