السيد محمد تقي المدرسي

117

من هدى القرآن

[ 50 - 51 ] وفوق تلك الأقدار والسنن تبقى لله المشيئة العليا والإرادة المطلقة يهيمن بها على كل شيء ، ويخرق بها القدر أو ينفذه متى شاء في أسرع من طرفة العين ولمح البصر ، فلا يجوز للإنسان إذن أن يعبد السنن ، إنما يجب عليه عبادة ربها . وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ سواء كان هذا الأمر مما يختص بشؤون الدنيا أو الآخرة ، والأشياء كلها تستجيب لأمر الله بمجرد نزوله من عنده دون تردد أو إقناع ، فلا يحتاج تعالى إلى تكرار الأمر أبدا ، ولعل وَاحِدَةٌ إشارة إلى وحدة زمنية ، كما نقول نحن لحظة أو جزء من الثانية ، بل فوق الزمن إذا نسب الأمر إلى الله ، وحيث لا نستوعب نحن المسافة بين أمر الله ونفاذه ، ولا حتى أحدث الوسائل العلمية الحاسوبية ، فإنه تعالى قرب لنا المعنى مشبها بقوله : كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ أي كما لو أغمض بشر عينه ثم فتحها ليلمح شيئا ما ، واللمح هو النظرة السريعة الخاطفة ، ولعل تقدير الزمن إنما هو من جانب المخلوق ، فهو بحاجة إلى زمن حتى يتحقق فيه أمر الله ، أما جانب الخالق فلا يُتصور زمن مديد أو قصير تعالى ربنا عن أوصاف المخلوقين . نعم في مثل هذا الزمن المحدود ينفذ أمر الله لو أراد إهلاككم أيها الكافرون المكذبون ، دون أن يمنعه مانع ، والتاريخ شاهد على هذه الحقيقة ، وقد قدَّم القرآن في آياته السابقة قوم نوح وعاد وثمود ولوط مثلا لها ، ولا زال يؤكد ذلك للكافرين فيقول : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ نظائركم وأشباهكم ، وربما أراد القرآن بذلك الذين عاصروهم ممن أُهلكوا لا الذين من قبلهم وحسب ، وربنا قادر على أن يفعل بهم ذلك ، ولكنه برحمته ولطفه يقدم النذر على العذاب والتذكرة على الجزاء ، ويدعوهم إلى الإيمان ، لأنه خلق البشر ليرحمهم وليربحوا عليه لا للشقاء والنقمة ، لذلك يهتف بهم كتابه الكريم : فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وقد كرر ربنا هذا المقطع بعد قوله : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ، فكما يجب على الإنسان أن يتعظ بالقرآن ويتذكر بآياته كذلك يجب عليه أن يستنصح التاريخ ، ويعتبر بأمثاله وقصصه ، فإذا وجد نظائره وقد أُهلكوا فلا يمنِّي نفسه بالنجاة . أترى لو ذهب شخص إلى الطبيب ، وشخَّص فيه مرضا مات به آخرون قبله ، أيمنِّي نفسه بالحياة ؟ ! . [ 52 - 53 ] وحينما أهلك أولئك لم ينته حسابهم وجزاؤهم ، بل سُجِّلت أعمالهم ليلاقوا جزاءهم الأوفى في الآخرة وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ أي الكتب ، وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً ( 13 ) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [ الإسراء : 13 - 14 ] ، وقد فسَّر البعض هذه الآية بما يخدم مذهبه الجبري زاعما أن كل أفعال الإنسان مكتوبة سلفا عليه في الزبر ، وهذا التفسير لا يتناسب والسياق ، كما