السيد محمد تقي المدرسي

118

من هدى القرآن

لا يتناسب وما نعرفه من حرية الإنسان في حدود قدر الله وقضائه . ويؤكد القرآن أنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ يجدونه في سطور ذلك الكتاب . وهاتان الآيتان تهدياننا إلى فكرة المسؤولية ، وأن الإنسان هو الذي يرسم مستقبله بنفسه من خلال أفعاله صغيرها وكبيرها ، وما دامت الأعمال لا تذهب إلى الفراغ ، بل تكتب له أو عليه عند الله ، وما دام مستقبله الأخروي الأبدي مرتكز على حياته هنا ، فحري به إذن أن يتحمل الأمانة بصدق وقوة . [ 54 - 55 ] ويختم الله هذه السورة التي تلاحقت فيها النذر المخوفة بالترغيب ، لكيلا ينتهي التخويف إلى اليأس ، بل يبقى الإنسان متوازنا يتحرك باتجاه الحق بين الخوف من العذاب ورجاء الرضا والإثابة ، فيحدثنا عن عاقبة المتقين في مقابل عاقبة المكذبين فيقول : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ أي الأنهار ، وقال بعض المفسرين : إنه المكان الواسع ، وهو بعيد ، وقوله فِي يدل على دوام النعيم وخلودهم فيه ، وذلك مما يميز نعيم الآخرة من الدنيا المحدودة . وإلى جانب النعم المادية هناك النعم المعنوية ، وأعظمها وأهمها رضا الله عز وجل الذي يناله المتقون فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ويدل المقعد على الدوام والثبات ، فهم لا يزحزحون عن النعيم ، لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ [ الواقعة : 19 ] ، كما تدل كلمة صِدْقٍ على أنهم استحقوا الجلوس في ذلك المقعد بعملهم وإيمانهم بعد توفيق الله ، فلأن عملهم كان صادقا مخلصا استحقوا مقعد الصدق ، ولكن عند مَنْ ؟ . عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ حيث النظر إلى نور الرب ، وهذا بدوره يكمل النعيم ، بل هو النعمة الكبرى ! وما الجنان والنُّهُر وسائر النعم الأخرى إلا مظهر لمقعد الصدق ، وهذان النوعان من النعم ( الجنات والنهر ، وحب الله وجواره ) يلبيان تطلعات المؤمن المادية والمعنوية إلى أقصاهما . والمليك هو مالك الأشياء المهيمن عليها ، ولكن قد يوجد من هو أقوى منه ، إلا أن ذلك ينتفي بإضافة مُقْتَدِرٍ ، وفي هاتين الصفتين ضمان للمؤمنين بأن ما يوعدون واقع حاصل ، لأن الذي يعدهم يملك ما وعدهم ، ويقدر على تحقيقه فهو لا يمنعه مانع ، كقدرته على إنزال العذاب بالمكذبين ، بلى ؛ إن المؤمنين يتطلعون إلى نعيم الآخرة ، ولكن طموحهم الأكبر يبقى هو