السيد محمد تقي المدرسي

116

من هدى القرآن

وذلك للحكمة التي قدرها الله كما رأينا ، كي تتعادل عوامل البقاء وعوامل الفناء بين الجوارح والبغاث ! ] . ويستطرد قائلا : [ والذبابة تبيض ملايين البويضات ، ولكنها لا تعيش إلا أسبوعين ، ولو كانت تعيش بضعة أعوام تبيض فيها بهذه النسبة لغطى الذباب وجه الأرض بنتاجه ، ولغدت حياة كثير من الأجناس وأولها الإنسان مستحيلة على وجه هذه الأرض ، ولكن عجلة التوازن التي لا تختل في يد القدرة التي تدبر هذا الكون أوزنت بين كثرة النسل وقصر العمر فكان هذا الذي نراه ! . والميكروبات - وهي أكثر الأحياء عدداً ، وأسرعها تكاثراً ، وأشدها فتكاً - هي كذلك أضعف الأحياء مقاومة ، وأقصرها عمرا ، تموت بملايين الملايين من البرد ومن الحر ، ومن الضوء ، ومن أحماض المعدات ، ومن أمصال الدم ، ومن عوامل أخرى كثيرة ، ولا تتغلب إلا على عدد محدود من الحيوان والإنسان ، ولو كانت قوية المقاومة أو طويلة العمر لدمرت الحياة والأحياء ! ] . ويستعرض مثلًا من واقع الإنسان فيقول : [ والثدي يفرز في نهاية الحمل وبدء الوضع سائلا أبيض مائلا إلى الاصفرار ، ومن عجيب صنع الله أن هذا السائل عبارة عن مواد كيميائية ذائبة تقي الطفل من عدوى الأمراض ، وفي اليوم الثاني للميلاد يبدأ اللبن في التكوين ، ومن تدبير المدبر الأعظم أن يزداد مقدار اللبن الذي يفرزه الثدي يوما بعد يوم ، حتى يصل إلى حوالي لتر ونصف في اليوم بعد سنة ، بينما لا تزيد كميته في الأيام الأولى على بضع أوقيات ، ولا يقف الإعجاز عند كمية اللبن التي تزيد حسب زيادة الطفل ، بل إن تركيب اللبن كذلك تتغير مكوناته ، وتتركز مواده ، فهو يكاد يكون ماء به القليل من النشويات والسكريات في أول الأمر ، ثم تتركز مكوناته فتزيد نسبته النشوية والسكرية والدهنية فترة بعد أخرى ، بل يوما بعد يوم ، بما يوافق أنسجة وأجهزة الطفل المستمر النمو ] . هكذا قدَّر الله شؤون الحياة والخلق ، وهكذا تتجلى حكمته في كل شيء ، ونحن يجب أن نهتدي إلى ما غاب عنا بما نراه ونشاهده ، كما نستدل على وجود التيار الكهربائي بالمصباح والمروحة ، ينبغي أن نهتدي إلى الآخرة بالحكمة الربانية الظاهرة في الدنيا ، وحتى في الدنيا نفسها يجب أن نؤمن بالسنن الحاكمة فيها ، ونكِّيف أنفسنا وفقها ، فالذي يصلي من دون خشوع وإخلاص لا تقبل صلاته ، والذي يتصدق من دون تقوى تبطل صدقته ، وهكذا الذي يُعرض عن آيات الله ويكذِّب برسالاته ويتبع الهوى فإنه يلقى العذاب في الدنيا والآخرة ، مهما زعم وتمنى بأنه لا يعذُّب أو أنه قادر على الانتصار على سنن الله في الحياة .