السيد محمد تقي المدرسي

62

من هدى القرآن

القياس بين عالمين مختلفين . من هنا فإن فكرة أنوثة الملائكة في منتهى الغباء . [ 151 - 152 ] ومع أن ظاهر الآيتين الماضيتين حول الملائكة ، أنهما تعالجان فكرة أنوثة الملائكة ، إلا أن هدف القرآن من الحديث هو نسف الاعتقاد بألوهيتها ، ذلك أن بعضا من المشركين تصوروها تولدت من الله فهي آلهة أيضا ، وإنما دخل السياق لهذا الموضوع من زاوية الحديث عن طبيعة الملائكة وماهيتها ، ليبيَّن لنا بأن تصورات الجاهليين خاطئة ليس في تحديد دور الملائكة وحسب وإنما يجهلون حتى ماهيتها ، وكل ما هنالك من أفكار لديهم حولها فإنها مجرد ظنون لا دليل منطقي عليها . أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ( 151 ) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ إن الاعتقاد بولادة الله الذي نشأ أصلا في أرضية ثقافية تتسم أولًا بالهروب من ثقل المسؤولية ، وثانياً لكي يشبع الإنسان غروره وكبره وتطلعه إلى مقام الربوبية . إن هذا الاعتقاد - برَّره أدعياء الحكمة والفلسفة فوضعوا له نظريات الحلول والاتحاد ، ووحدة الوجود ، ومهما حاولوا تبريرها فهي إفك داخلي في نفوسهم ، وكذب فظيع على ألسنتهم . إن المشركين يعلمون بكذب دعواهم فاجتمع في هذا الادعاء القبح الفاعلي إلى جانب القبح الفعلي . [ 153 ] ويتساءل القرآن من جديد : أصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ . [ 154 ] إن استصدار هذا الحكم على الله سبحانه ، لا ينطبق مع أبسط قواعد الحكم المنطقية . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ . [ 155 - 156 - 157 ] والإنسان حينما يريد الحكم على قضية ما ، إما أن يرجع إلى ضميره ، أو إلى حجة أخرى كالعقل والعلم ، وهؤلاء لا يراجعون ضميرهم بالتذكر ولا يرجعون إلى حجة قاطعة أخرى . أَفَلا تَذَكَّرُونَ ( 155 ) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ إذا بلغ الإنسان حدا - بالاعتماد على البراهين والشواهد القاطعة - أن اعتقد حتى ولو بهذه الفكرة الباطلة في واقعها . فإنه معذور عند الله ، ولكنه تعالى أبى أن يجعل الحق باطلا لا ريب فيه ، ولا الباطل حقا لا ريب فيه ، وذلك بما زرع في الإنسان من ضمير ، وبما وهبه من عقل ، وأنزل عليه من كتب ، وبعث له من رسل ، وجعلها جميعا فرقانا له في الحياة في كل أمورها وقضاياها . فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ إذا كانت مزاعمكم هذه تعتمد على دليل فأين هو الدليل ؟ . [ 158 ] وفي نهاية الدرس يُعرِّج القرآن على فكرة باطلة أخرى لينسفها نسفا وهي تأليه الجن . وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً فعبدوا الجن ، وعبدوا السحرة والكهنة التي تدَّعي الاتصال بها ، أو تتصل بها فعلا وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ولو كانت الجن آلهة كما يتصور المشركون ، لما أحضروا للعذاب كسائر العصاة من الخلائق وذلك يدل بوضوح