السيد محمد تقي المدرسي

443

من هدى القرآن

الأهداف ، وهل إن الموت سيفصل بينه وبين ما يتمنى ، وحتى لو حققها فهل ستستمر معه طويلا أم لفترة محددة ؟ . إن هذه الأهداف هي الأخرى ليست أهدافا جدية لتعلقها بالحياة الدنيا فقط ، والتي تعتبر لعبا - حسب التعبير القرآني - وقد روى الثعلبي في تفسيره أن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله كان جالسا بين أصحابه ، فخط خطوطاً وخط خطاً منها ناحيةً فقال : « تَدْرُونَ مَا هَذَا ؟ هَذَا مِثْلُ ابْنَ آدَمَ وَمِثْلُ التَّمَنِّي ، وَذَلِكَ الْخَطَّ الْأَمَلُ بَيْنَهُمَا هُوَ يَتَمَنَّى إِذْ جَاءَهُ المَوْتُ » « 1 » . فالعاقل هو الذي يجعل الحياة قنطرة للآخرة . كل إنسان مفطور على معرفة الله سبحانه ، ولكن قد يفصل بينه وبين المعرفة حجب الغفلة والنسيان والهوى ، فإذا ارتفعت هذه الحجب صارت الرؤية واضحة ، ولنأخذ مثالا من واقع الحياة : عندما يمرض ابنك ، وتفتقد الطبيب المعالج ، عندئذ تزول جميع حواجز الجبت والطاغوت ، وتعرف الله وتتصل به ، ويكون دعاؤك نابعا من صميم فؤادك ، وما إن يتشافى حتى تنسى الله ونعمته عليك . فالإنسان لا يعرف الله إلا عند الحاجة ، وعندما تنتهي حاجته تنتهي معرفته معها ، فعندما يركب السفينة ، ويمخر بها عباب المحيطات الشاسعة ، وتتلقفه الأمواج الهادرة ، حينها فقط يتوجه قلبه بكل إخلاص إلى الله سبحانه . إنه الله الذي تلجأ إليه ، ويتصل به قلبك في أوقات الحاجة ، حين تسد جميع الطرق أمامك ، ولا يبقى لك من منفذ من البلاء ، حينها لا يبقى إلا أن تطرق أبواب السماء بدعائك الخالص ، والمشوب بالعجز أمام قدرة الله ، حينذاك يأتيك الرد إلهيا فتزول جميع العوائق والمشكلات ، وهذه هي آثار الله ، وبها نعرفه . ثم يبين الله في آخر آيات هذه السورة نعمة الله على أهل مكة حين جعل لهم حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم . ولكنهم مع وجود هذه النعمة عندهم تراهم يؤمنون بالباطل ويكفرون بالله ، ويكذبون رسوله ، وهذه عادة أصحاب القرى أن يكذبوا وينسوا ما أنعم الله عليهم به ، بل وقد يتخذون من النعم مادة للفساد . وبعكس أولئك الذين آمنوا بالله وبالرسول واتبعوه وعزروه وجاهدوا معه . إن الله

--> ( 1 ) تفسير الثعلبي : ج 9 ، ص 239 .