السيد محمد تقي المدرسي

444

من هدى القرآن

ليهدينهم سبلهم . جنات تجري من تحتها الأنهار ، وإن الله مع المحسنين ، وسيحيق ربنا بالذين كفروا جهنم وبئس المهاد . بينات من الآيات : [ 64 ] وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ إن الحياة الدنيا بصورتها العادية ، ومقوماتها ، وأبعادها المادية مجرد لهو عبثي أو لعب بلا هدف ، فالأهداف الجدية ترتبط جديتها بمدى ارتباطها بالحياة الآخرة ، والقضايا الغيبية . وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وفي الدار الآخرة تتوفر جميع مقومات الحياة من الخلود الأبدي ، واللذات الجمة ، والراحة النفسية الممتزجة بالطمأنينة ، فيتخلص المؤمن من هموم الدنيا ، ومشاغل الحياة . [ 65 ] فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ تبين هذه الآية الحالات النفسية للإنسان في بعض مواقفه الحياتية ، فحينما اضطر واحتاج إلى الله سبحانه ، أقر له بالحاكمية والسيادة ، وجعل له الولاية والسيطرة على الكون والحياة ، وهو الذي كان يعارض الرسل ، ويكفر بالله بالأمس ، فما عدا مما بدا ؟ ! . ولكن ما إن تطأ قدماه ساحل الأمان ، ويبتعد عن الخطر ، ويستغني عن الضرورة ، حتى ينقلب على عقبيه ، ويكفر بالله ، ويشرك به في قدرته وسلطانه ، ( فما لله لله ، وما لقيصر لقيصر ) ؟ ! كما أن هذه الآية تبين حقيقة وجود الله ، وهيمنته على الكون ، فقد قال رجل للإمام الصادق عليه السلام : ( يَا بْنَ رَسُولِ الله دُلَّنِي عَلَى الله مَا هُوَ ؟ فَقَدْ أَكْثَرَ عَلَيَّ المُجَادِلُونَ وَحَيَّرُونِي ! . فَقَالَ عليه السلام لَهُ : يَا عَبْدَ الله هَلْ رَكِبْتَ سَفِينَةً قَطُّ ؟ . قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ عليه السلام : فَهَلْ كُسِرَ بِكَ حَيْثُ لَا سَفِينَةَ تُنْجِيكَ ، وَلَا سِبَاحَةَ تُغْنِيكَ ؟ . قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ عليه السلام : فَهَلْ تَعَلَّقَ قَلْبُكَ هُنَالِكَ أَنَّ شَيْئاً مِنَ الْأَشْيَاءِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُخَلِّصَكَ مِنْ وَرْطَتِكَ ؟ . قَالَ : نَعَمْ . قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام : فَذَلِكَ الشَّيْءُ هُوَ اللهُ الْقَادِرُ عَلَى الْإِنْجَاءِ حَيْثُ لَا مُنْجِيَ ، وَعَلَى الْإِغَاثَةِ حَيْثُ لَا مُغِيثَ » « 1 » . إذا أردت أن تعرف الله فاركب الأهوال ، وستعرف الله حيث لا ينفعك مال ولا بنون ، وحينها ينفتح أمامك باب المعرفة الإلهية ، وترى آثار رحمة الله .

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 3 ، ص 41 .