السيد محمد تقي المدرسي

415

من هدى القرآن

مِنْ الْغَابِرِينَ ( 33 ) إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً « 1 » مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ( 34 ) وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 35 ) . هدى من الآيات : يواصل السياق بيان قصة إبراهيم عليه السلام وقومه وكيف هاجر مجتمعه الفاسد ، فآمن له لوط ، ويبين أن التجمع الصنمي لا ينفع شيئا عند الله ، إذ يكفرون ببعضهم يوم القيامة ، ويتلاعنون ، ومصيرهم جميعا جهنم ولا يتناصرون ، ولقد هاجر هو ولوط الذي آمن معه ، ورزقه الله إسحاق ويعقوب ، وجعل النبوة والرسالة في ذريتهما ، وآتاه أجره في الدنيا ، وأدخله في الآخرة في زمرة الصالحين ، ثم يبين قصة لوط وكيف واجه فساد قومه الفاحش من إتيان الرجال ، وقطع السبيل ، والإجهار بالمنكرات . أما قومه فقد طالبوه بالعذاب ، فدعا ربه فنصره إلا إن الملائكة عرّجوا على إبراهيم قبل أن يصبوا العذاب على قوم لوط عليه السلام فجادلهم بأن في القرية لوطا ، فأخبروه بأن الله سوف ينجيه وأهله إلا امرأته ، وهكذا أنجاهم الله ودمر الباقين . ولأن سورة العنكبوت تشدد على ضرورة جعل محور العلاقة بين الإنسان ونظيره الإنسان علاقة الإيمان بالله ، ورفض المحاور الوثنية الأخرى ، لأنها زائلة وضارة ، وتستدرجنا إلى عذاب الله الأليم ، فإننا نجد إبراهيم عليه السلام يبين فكرة هامة هنا هي : أن اتخاذ الأوثان إنما تم بهدف المودة المتبادلة بين المشركين ، وإن هذا الهدف باطل ، إذ يكفر المشركون ببعضهم يوم القيامة . إن البشر خلق اجتماعيا ، ولعل اسم الإنسان والناس مستوحى من هذه الفطرة الراسخة فيه ، أما كلمة الحضارة أو المدنية فإنها تشير إلى حضور الإنسان عند نظيره ، إلا إن هذه النزعة الاجتماعية تضل سبيلها وهي كسائر الغرائز البشرية بحاجة إلى توجيه وتزكية ، فكما غريزة الجنس يهذبها الإسلام ويهديها إلى السبيل القويم لها بالزواج ، كذلك النزعة الاجتماعية ، ولكن بسبب انفلات هذه النزعة عن قنواتها المحددة ، جرت البشرية إلى مآسي مروعة . كيف ذلك ؟ . قبل أن نجيب عن هذا السؤال نوضح حقيقتين :

--> ( 1 ) رجزاً : أي عذاباً .