السيد محمد تقي المدرسي
416
من هدى القرآن
ألف : النزعات الفاسدة في قلب البشر هي التي تضحي علاقات اجتماعية شاذة في حياته ، فحب المال حبا جما يفرز الطبقية ، والتكبر يولد الاستكبار والعلو في الأرض ، والجبن يسبب الاستضعاف ، والحرص يجر إلى الفساد الاقتصادي و . . . ولذلك كان الجبت والطاغوت وجهين لعمله فاسدة واحدة ، فعبادة المال والتسليم للصولجان هو جبت القلب ، بينما الديكتاتورية والاستبداد طاغوت المجتمع . باء : أن الجاهليين الذين كانوا يعبدون الأوثان لم يكونوا ناقصي العقول إلى هذه الدرجة ليزعموا أن هذه الأحجار التي يصنعونها بأيديهم هي التي خلقتهم فعلا . كلا . . إنما كانت الأوثان رمزا لتجمعهم ، وتعبيرا عن نوع العلاقة التي ارتضوها لأنفسهم ، ولذلك كانت الأصنام تكبر وتصغر حسب حجم القبيلة ، فهناك صنم قريش ( هبل ) يعتبر أكبر الأصنام في الجزيرة ، لأن تلك القبيلة كانت تزعم أنها كبرى قبائل العرب ، وأصغر منها حجما كان صنم ثقيف ( مناة ) لأن تلك القبيلة كانت أقل مستوى من قريش ، وكلما صغرت القبيلة تضاءلت أهمية أوثانها ، حتى بلغ بتجمع صغير حقير أن صنع لنفسه صنما من التمر ، فإذا أصابتهم مخمصة وقعوا على إلههم المزعوم والتهموه عن آخره . بعد بيان هاتين الفكرتين نجيب عن السؤال السابق : باستثناء التجمعات التوحيدية انحدرت البشرية إلى درك الوثنية بطريقة أو بأخرى ، إذ إنها ارتبطت ببعضها عبر المصالح والعصبيات والخرافات البعيدة عن العلاقة التوحيدية ، ما الذي جمع طبقة المترفين إلى بعضهم ؟ أوليس الحرص على تكديس الثروة ؟ ! إذ المحور هنا حب المال ، والعلاقة بالإنسان تمر عبر قناة جمع الثروة ، ولا يحترم الإنسان كإنسان بل بصفته صاحب ثروة ، إذ إن الاحترام هو للثروة ذاتا ولم يملكها بالتبع أليس كذلك ؟ ! إذا الثروة معبودة ، وهي محور العلاقة ، ولا بد أن يختاروا إلها رمزا يحترمونه ويكرمونه ويقدسونه ، وبالتالي يعبدونه . ذلك الرمز قد يكون صنما من ذهب أو فضة أو أحجار كريمة - كما كان يصنعه الإنسان البدائي - ولكن قد يكون رمزا متطورا يسمونه ب - ( العلم ) ، أو بتمثال الحرية ، وبرج تاريخي ، أو تمثال الفيل أو التمساح . وقد يختار تجمع المترفين شخصا يسمونه بالملك ويضفون عليه قدرا من القداسة المزعومة ، والجلالة المزيفة ، فيجعلونه رمزا لتجمعهم . وكما محور الثروة كذلك محور القومية والوطنية وما أشبه ، تنفلت من إطارها السليم ، وتتحول إلى صنم يعبد من دون الله .