السيد محمد تقي المدرسي
332
من هدى القرآن
[ 33 ] لقد هاجر عليه السلام إلى مدين ، وكانت مدين مدينة يكثر فيها الرعاة ، وتحوطها الآبار وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ أي بعيداً عنهم امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ تمنعان أغنامهما عن الورود على الحوض ، لأنهما كرهتا الاختلاط مع الرجال ، فكانتا تنتظران نهاية السقاية . قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ما الأمر ؟ لماذا لا تسقيان ؟ وكان موسى عليه السلام يبحث عن مستضعف يعينه ، وهكذا تكون حياة الرساليين أينما كانوا كلها في خدمة الرسالة والناس ، وهم يبحثون عن أي فرصة للعمل الصالح دون أن ينتظروا من الناس أن يسألوهم العون . وقد قال القرآن في حق عيسى عليه السلام : وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ [ مريم : 31 ] أي أينما حللت ، فالمؤمنون مبارك مقدمهم على مجتمع في دار الهجرة . ولعلنا نستفيد من قيام موسى بهذا العمل ضرورة بناء علاقات اجتماعية تثبت التحرك الرسالي في مجتمع الهجرة ، كما يستفيد من خلالها في خدمة قضيته . قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يستطيع أن يسقي الأغنام ، أما نحن ننتظر سائر الرعاة حتى ينتهوا فنسقي أغنامنا . [ 24 ] فَسَقَى لَهُمَا إننا نجد قسما من الثائرين يسقطون خدمة الناس من حسابهم ، بحجة أن العمل للقضية أهم من كل شيء ؛ أما موسى فإنه يرى خدمة المستضعفين من أهم أهدافه ، لذلك سقى للامرأتين ، وكان فتى قويا ، عركته صعوبات الحياة وتحدياتها ، وقد سقى لهما بدلوٍ لا يطيق حمله إلا عشرة رجال . والواقع : إن من أهم صفات الأنبياء الإحسان إلى الناس ، وبأمثال هذه الصفة اصطفاهم الله للرسالة ، فعندما يتحدث القرآن عن اختيار الله للأنبياء كثيرا ما يقول : وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [ القصص : 14 ] . ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ لقد كان موسى يتضور جوعاً ، ويعاني من الغربة ، ولا يعرف إلى أين ينتهي به الأمر ، ولكنه لم يشك إلى الله ذلك ، بل ذكر نعمه السابقة ، وقال إنني أفتقر إلى ذلك الخير . وهذا من أفضل أساليب الدعاء ، إذ يتضمن كناية أبلغ من التشبيه ، ونظرة إيجابية . فبدل أن يقول أحدنا : إن عيني تؤلمني فشافها يا رب ، ليقل إن عيني كانت سليمة سابقاً ، وإني اليوم لفي حاجة لأن أكون مثل الماضي . إذ من آداب الدعاء أن يبدأه العبد بحمد الله ، والثناء عليه - كما في الأحاديث - . وأهمية هذا الأدب المحافظة على الروح الإيجابية عند الإنسان الذي يسعى الشيطان لإغوائه أبدا عن نعم الله ، ووضع نظارات سوداء على عينه كلما ألمت به مصيبة ، أو فقد نعمة ،