السيد محمد تقي المدرسي
307
من هدى القرآن
غوي من بني إسرائيل السر ، وورط الحركة كلها ، مما يحذرنا عن مثل ذلك ، ثم يبين القرآن كيف كان النبي موسى عليه السلام مترقباً حين خروجه من المدينة ، وكيف اختار مدين في خطة مرنة ، لأنه كان يدعو الله أبداً ليهديه سواء السبيل . ونقرأ في موضع آخر من السورة ( الآية : 54 ) ثناء القرآن على أهل الصبر والتقية ، وهم البقية المؤمنة من أهل الكتاب ، الذين اتسموا بصفات الصبر ، ودرء السيئة بالحسنة ، والإنفاق ، والإعراض عن لغو الجاهلين وجدلياتهم . وهذه الصفات هي برامج أصحاب الرسالة في عصر التقية والعمل السري . وفي سياق سورة القصص نقرأ عن أخلاقيات المهاجر في سبيل الله ، وفي طليعتها ؛ الإحسان إلى الناس ، والاحتفاظ بقيم الرسالة بالرغم من مشاكل الهجرة ، ووفاؤه بالحقوق ( لقد قضى النبي موسى عليه السلام أبعد الأجلين ) وتجذره في بلاد الهجرة عبر الزواج . جيم : وسورة القصص تركز - فيما يبد - وعلى دور شخصية القائد وصفاته ، فبعد بيان إرادة الله بإنقاذ المستضعفين ، نقرأ مباشرة قصة ولادة النبي موسى عليه السلام ثم إن موسى عليه السلام تتجلى شخصيته في صورة قائد مغيب ، ثم يحضر فجأة في ميدان الصراع لينصر واحداً من شيعته ، ثم تلاحقه أجهزة النظام فيها ، وتبقى صفة الإحسان أبرز صفاته قبل ابتعاثه رسولًا ، ويؤكد السياق أنها وراء اصطفائه بالعلم والحكم ( وكذلك نجزي المحسنين ) ، ونجد ذلك عندما يتَجاوز ذاته ، وكل علاقته بالدنيا عندما يتلقى الوحي في الجانب الغربي عند الشجرة . دال : وفي الجهة المعاكسة تبرز شخصيّة إمام الكفر ( فرعون ) ، ورمز المال الطاغي ( قارون ) ، ومثال البيوقراطية الفاسدة ( هامان ) ( الآيات : 29 - 42 ) . هاء : وتذكر السورة بتواصل الوحي من النبي موسى عليه السلام إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله بهدف التذكرة ، خصوصاً لقوم ما أنذروا من قبل ، الرسالة هذه التي تشابه رسالة موسى عليه السلام حدث غيبي ينذر بها الرب القوم الضالين بين يدي عذاب شديد ، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم ، لأنهم يطالبون دائماً بآيات جديدة ، فيقولون مثلًا : لماذا لا يأتي النبي بآية شبيهة بما ظهرت على يد النبي موسى عليه السلام ، مع أنهم كفروا بما أنزل على موسى عليه السلام ( الآيات : 43 - 50 ) . وبعد أن يبين السياق صفات المؤمنين الصادقين من أهل الكتاب ، الذين يسارعون إلى الإيمان بالنبي ( الآيات : 51 - 56 ) ، يبين شبهة أخرى يتشبث بها الجاحدون ، إذ يقولون : نخشى أن نفقد - لو آمنا - السلام الذي ننعم به في الحرم ( الآيات : 57 ) ويردها الرب : أولًا : إن الله هو الذي وفر هذا الأمن لهم .