السيد محمد تقي المدرسي
199
من هدى القرآن
يختلط بالدين في ذهن الناس بما يصعب فكاكه عنه من تراث البشر وخصوصاً الأقدمين قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . [ 75 ] هناك تجلى تحدي إبراهيم لقومه ، فأعلنها صراحة : إنني براء منكم ومما تعبدون ، لأن تلك الأصنام عدوة لي : قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ وهذا التعبير بالغ درجة كبيرة من الاستخفاف والسخرية . [ 76 ] أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ أي إنني لا أتحدى فقط آباءكم القريبين إليكم ، بل حتى أولئك الأكثر قداسة عندكم وهم الأقدمون . أليس المجتمع الرجعي يكتسب فيه القديم قيمة تتنامى مع مرور الزمان كأنه الخل أو الخمر ؟ ! . [ 77 ] فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إنني أعاديه بصراحة ، لأنه هو الذي يعاديني . لقد كانت تلك كلمة البراءة ، أزال بها إبراهيم الحصانة التي خلعها أولئك الرجعيون على الأصنام ، ولعل إبراهيم عليه السلام استهدف أيضا من ذلك أمرين آخرين : أولًا : إثبات عدم قدرة الأصنام على الإضرار بأحد أثبت ذلك عمليا ، حيث كان أولئك الجهلة يحذرون الأصنام ، ويتهيبون ترك عبادتها ، فكان قدوة في الرفض ، وهكذا من يتبع نهج إبراهيم من المؤمنين الصادقين ، يرفضون التسليم للطغاة ، ويصبحون قدوة في ذلك ، حيث يثبتون بعملهم أن الطغاة ليسوا بمعجزين في الأرض . ثانياً : أن الأصنام رمز النظام السياسي والاقتصادي ، وتقديسها يعتبر حجر الزاوية في البناء الثقافي للمجتمع الجاهلي ، وإن الاستمرار في عبادتها يعني استمرار الوضع الفاسد الذي يضر بالإنسان ، فالأصنام عدوة للإنسان فعلا ، وعلى الإنسان أن يتخذها عدوا . ولا يكفي رفض الأصنام ، بل لا بد من التوجه إلى الله ، لذلك قال إبراهيم عليه السلام : إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . [ 78 ] الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ لقد خلق الله كل شيء خلقا متينا ، وأجرى فيه سننا بالغة الدقة ، وهدى الإنسان إلى تلك السنن بالغرائز ، والفطرة ، والعقل ، والوحي ، وتطابق الوحي والسنن أكبر شهادة على صدق الرسالة ، وأبلغ حجة على حكمة الرب ، وحسن تدبيره سبحانه . [ 79 ] والبشر مفطور على تقدير من يطعمه ويسقيه ، ولكن يخطأ في معرفة المصدر الحقيقي للطعام والشراب . إنه ينظر إلى الوسيلة ولا ينظر إلى المصدر ، يرى الرافد ويغفل عن الينبوع ، يحس بيد الخباز ولكنه يجهل أو يتجاهل عشرات الأيدي من قبلها ويد الغيب من