السيد محمد تقي المدرسي
200
من هدى القرآن
ورائها جميعا . أما صاحب الفطرة النقية التي تتحدى سلطة المجتمع ، ولا يضيع إنسانيته بالتسليم للفساد الثقافي السائد عليهم ، فهو الذي يهتدي إلى لب الحقائق ، وغيب الظواهر ، كمثل إبراهيم إذ قال : وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . [ 80 ] لقد جعل الله في جسم الإنسان نظام مناعة ، يقاوم الجراثيم ، ويساعد على التغلب على المرض ، ومدى قدرة هذا النظام أو ضعفه ، ومدى قدرة الجرثومة وضعفها خاضع لتقدير الله سبحانه ، وهكذا يموت أو يطيب المريض بما لا يتحكم فيه البشر مهما أوتي من علم . ولو أفقد الله الجسم مناعته ، فلا أحد قادر على حفظه حتى ولو شرب أطنانا من الأدوية المضادة . هكذا عرف إبراهيم بفطرته النقية الحقيقة هذه ، فقال : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ إن الشفاء بيد الله ، والله أودع في جسم الإنسان ما يتغلب به على المرض ، وأفضل العلاج مقاومة المرض بقوة الجسم ، وقد أكدت النصوص الإسلامية على هذه الضرورة ، فقد جاء في الحديث : « امْشِ بِدَائِكَ مَا مَشَى بِكَ » « 1 » . وجاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : « مَنْ ظَهَرَتْ صِحَّتُهُ عَلَى سُقْمِهِ فَيُعَالِجُ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فَمَاتَ فَأَنَا إِلَى الله مِنْهُ بَرِيءٌ » « 2 » . وربما لكي يتحمل آلام المرض ، ولا يسرع إلى مقاومته مما يفقده مناعته ، جاءت نصوص تؤكد ثواب المرض للمؤمن . جاء في حديث مأثور عن عبد الله بن مسعود أنه قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله إذ تبسم فقلت له : ما لك يا رسول الله ؟ قال : « عَجِبْتُ مِنَ الْمُؤْمِنِ وجَزَعِهِ مِنَ السُّقْمِ ولَوْ يَعْلَمُ مَا لَهُ فِي السُّقْمِ مِنَ الثَّوَابِ لَأَحَبَّ أَنْ لَا يَزَالَ سَقِيماً حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ » « 3 » . وندب الشرع كتمان الألم ثلاثا ، وأنبأنا أن في ذلك ثوابا عظيما ، فقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال : « قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى مَا مِنْ عَبْدٍ ابْتَلَيْتُهُ بِبَلَاءٍ فَلَمْ يَشْكُ إِلَى عُوَّادِهِ إِلَّا أَبْدَلْتُهُ لَحْماً خَيْراً مِنْ لَحْمِهِ ودَماً خَيْراً مِنْ دَمِهِ فَإِنْ قَبَضْتُهُ قَبَضْتُهُ إِلَى رَحْمَتِي وإِنْ عَاشَ عَاشَ ولَيْسَ لَهُ ذَنْبٌ » « 4 » .
--> ( 1 ) نهج البلاغة : حكمة 27 قصار الحكم . ( 2 ) وسائل الشيعة : ج 2 ص 409 . ( 3 ) وسائل الشيعة : ج 2 ص 402 . ( 4 ) الكافي : ج 3 ص 115 .