السيد محمد تقي المدرسي
193
من هدى القرآن
[ 58 ] وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ إن وجود ذخائر مالية مثل العملة الصعبة اليوم والكنوز قديما ، معلم من معالم التقدم الحضاري ، كما أن المساكن الآمنة التي يحترم أهلها ، ويكرمون فيها معلم آخر من معالم الحضارة التي افتخر بها فرعون . ولعل في التعبير ب - فَأَخْرَجْنَاهُمْ تهديداً ضمنيًّا للجيش ، بأن من لا يطيع الأوامر يفقد هو الآخر هذه المكاسب . ويبدو أن الجنات والعيون يعكس الوفاء « 1 » بالضروريات ، بينما الكنوز والمقام الكريم ، يعكس التقدم الذي يوفر الأمن الاقتصادي والسياسي . [ 59 ] رسالات الله لا تعارض التقدم الحضاري ، إنما تعارض الظلم الذي يرتكب باسمه ، وإنما التقدم الحضاري الثابت والمستقر حق لأهل الحق ، لأنهم هم الذين يضعونه فيسرقه الطغاة منهم ، فيعيده الله عليهم . هكذا أنبأنا الله سبحانه ، فقال : كَذَلِكَ هكذا قال فرعون لقومه ، وهكذا اعتز بما يملك ، ولكن كيف كانت العاقبة ؟ اسمعوا : وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ لقد أهلك الله آل فرعون ، وتنعم بنو إسرائيل بالجنات ، والعيون ، والكنوز ، والمقام الكريم ، وهكذا يورث الله الأرض لعباده الصالحين ، فلا ينخدع المحرومون بما في أيدي الطغاة ، ولا يذلوا أنفسهم لقاء فتات الطعام ، أو فضالة الشراب ، إن الخير كل الخير لهم ، وعليهم أن يقطعوا أيدي السارقين حتى يهنؤوا به . [ 60 ] كان فرعون المبادر إلى الحرب ، فهو الذي هاجم بني إسرائيل عند الشروق فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ . [ 61 ] جد جيش فرعون في السير حتى لحقوا بهم ، وصار على مقربة منهم ، يرى كل فريق الفريق الآخر . عندئذ أحس قوم موسى أن الخطر قد أحدق بهم فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ . [ 62 ] عندما بين النبي موسى عليه السلام لربه جوانب ضعفه في حمل الرسالة ، سمع من الله كلمة عظيمة هي : كَلَّا وها هو يكررها لقومه عندما أحسوا بضعفهم في مواجهة فرعون وقومه قَالَ كَلَّا . هناك أخبره الله بأنه معه هو وأخيه هارون ، يسمع ويرى ، وهنا أيضا أنبأهم موسى بأن الله معه .
--> ( 1 ) الوفاء من وفى الشيء وفاء فهو وافي .