السيد محمد تقي المدرسي

194

من هدى القرآن

إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ما أعظم إيمان موسى بربه ، وما أشد يقينه بنصر الله ، وما أجدر بنا أن نقتبس من قصة حياته ومضة يقين ، ونفحة إيمان . أمواج البحر أمامه وأمواج الجيش الكافر وراءه ، وهو لا يملك سوى قوم مستضعف فيهم النساء والأطفال والعجزة ، وقد انهارت إرادتهم بفعل طول الاستعباد ، ولكنه يتحدى كل خوف متوكلا على الله ، واثقا من نصره . أوليس الله معه فلماذا يخشى ، بل كيف يتسرب الخوف إلى قلب موقن بأن الله معه ؟ ! . [ 63 ] وهبط الوحي على قلبه الشريف : فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ انقسم البحر على نفسه ليكشف عن اثني عشر سبيلا ، مستقلا لاثني عشر سبطا من أسباط بني إسرائيل فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ كل جانب منه كان كما الجبل العظيم ، تراكمت المياه على بعضها ، وتجمدت الأمواج فوق الأمواج . [ 64 ] ودخل بنو إسرائيل السبل التي فتحت لهم في البحر الذي لا يدرى هل هو النيل أم أنه البحر الأحمر ؟ . وبلغ آل فرعون البحر فوجدوا أعداءهم في منتصف الطريق ، فاندفعوا وراءهم - سبحان الله - كيف يهبط الإنسان إلى هذا الدرك الأسفل من العصبية . إنه يرى المعاجز رأي العين ، فلا يتبصر بل يستمر في غيه ، لقد رأى فرعون آية العصا والتي أسجدت السحرة لله ، ورأى آية اليد البيضاء وسبع آيات أخرى ، والآن يجد البحر قد انفلق ، وتراكمت مياهه كالجبال ولا يزال يعاند ، كيف يمكن ذلك ؟ ! . الواقع : أن الذنب يقسي القلب ، وكلما زادت الذنوب كلما تحجرت القلوب أكثر فأكثر ، والله سبحانه يعاقب المذنبين لقسوة قلوبهم ، ويستدرجهم إلى مصيرهم الأسود ، وهكذا يقول ربنا : وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ لقد أهلكهم الله في البحر أجمعين ، ولكن لم أهلك الله كل الجيش ، ولم يهلك فقط فرعون وهامان ؟ . الجواب : أن الدنيا دار ابتلاء لجميع الناس ، حاكمين ومحكومين ، واتباع المحكومين للطغاة يوردهم موردهم ، بل سكوتهم عنهم يشركهم في جرائمهم وعقوباتهم . ولقد وفر الله لقوم فرعون أسباب الهداية ، إذ وقع السحرة لربهم ساجدين ، وأخذهم الله جميعا بألوان البلاء لعلهم يتضرعون ، وإذ وقفوا على شاطئ البحر ينظرون إلى القوم المستضعفين ، يقودهم راعي غنم لا يحمل إلا عصا ، وقد انفلق البحر لهم بهذه الصورة ، فهل بقيت حجة لهم ، كلا . . بل لله الحجة البالغة عليهم ، فإن أهلكهم فإنما بعد البينة وإتمام الحجة .