السيد محمد تقي المدرسي
177
من هدى القرآن
شَعْرٍ آدِمَ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ عَصَاهُ فِي كَفِّهِ مَرْبُوطٌ حِقْوُهُ بِشَرِيطٍ نَعْلُهُ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ شِرَاكُهَا مِنْ لِيفٍ فَقِيلَ لِفِرْعَوْنَ إِنَّ عَلَى الْبَابِ فَتًى يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَقَالَ فِرْعَوْنُ لِصَاحِبِ الْأَسَدِ : خَلِّ سَلَاسِلَهَا . وَكَانَ إِذَا غَضِبَ عَلَى أَحَدٍ خَلَّاهَا فَقَطَعَتْهُ فَخَلَّاهَا ، وَقَرَعَ مُوسَى الْبَابَ الْأَوَّلَ وَكَانَتْ تِسْعَةُ أَبْوَابٍ فَلَمَّا قَرَعَ الْبَابَ الْأَوَّلَ انْفَتَحَ لَهُ الْأَبْوَابُ التِّسْعَةُ فَلَمَّا دَخَلَ جَعَلْنَ يُبَصْبِصْنَ تَحْتَ رِجْلَيْهِ كَأَنَّهُنَّ جِرَاءٌ فَقَالَ فِرْعَوْنُ لِجُلَسَائِهِ : رَأَيْتُمْ مِثْلَ هَذَا قَطُّ . . . » « 1 » . [ 17 ] لرسالات الله شواهد منها عليها ، ومن شواهدها تحدي أكبر فساد في المجتمع ، دون خلاف أو مداهنة ، لقد تحدى نوح عليه السلام الطبقية ، وإبراهيم عليه السلام الوثنية ، ومثله فعل النبي محمد صلى الله عليه وآله ولوط تحدى الفساد الخلقي ، بينما واجه شعيب الفساد الاقتصادي وهكذا ، أما موسى عليه السلام فقد حارب العنصرية ، وطالب فرعون بتحرير بني إسرائيل الذين كان قد استضعفهم قائلا : أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ . منطق الطغاة [ 18 ] يبدو من السياق أن فرعون - شأنه سائر شأن الطغاة - حاول أن ينسب نعم الله إلى نفسه ، ويمن على موسى بأنه أنعم عليه بالتربية والتغذية قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً فلماذا خرجت على أسس المجتمع وقيمه ما دمت تربيت في أحضانه ، وتغذيت من أفكاره وثقافته ، ولعلنا نستوحي من هذه الآية مدى اعتماد الطغاة على عامل التربية في إفساد ضمير الناس ، وبالرغم من أهمية هذا العامل إلا إن رسالات الله تتحداه ، فإذا بموسى الذي كان ينسب إلى فرعون عند الناس حينا يخرج عليه ، ويهدم سلطانه ، وإذا بمؤمن آل فرعون يعيش في بلاطه ثم يثور عليه ، وإذا بزوجته آسية بنت مزاحم تكون نصيرة الحق ، وتضحي بنفسها في سبيل الله ، وإذا بأصحاب الكهف وهم وزراء طاغوت دهرهم ( دقيانوس ) ينقلبون إلى ربهم . ثم قال فرعون : وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وهكذا يقول الطغاة : ألم نعبد الشوارع ، ونبني المستشفيات . ألم يتخرج من جامعاتنا كذا طالب ، ألم يتقدم اقتصاد بلادنا ؟ ! . إنهم يخطئون مرتين : أولًا : حين يجعلون التقدم المادي دليلا على سلامة نهجهم ، بينما التقدم المادي قد يكون وليد عوامل أخرى كانبعاث آبار البترول ، أو جودة موسم الزراعة ، أو حتى جهود الناس من علماء ، ومدراء ، وتجار ، وعمال ، وفلاحين . الناس يعملون والحكام يفتخرون ، وإنما فخر الحكام
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 13 ، ص 133 .