السيد محمد تقي المدرسي
178
من هدى القرآن
بإشاعة العدل ، والمحافظة على الحرية ، وتوفير فرص الكمال الروحي . ثانياً : حين يعطون الناس أرقاما خاطئة ، ويذكرون فقط الجوانب المشرقة ويسكتون عن الجوانب السلبية ، ويرهبون من يتحدث عنها حتى لا تبدو فضائحهم . لقد من فرعون على موسى أنه سمح له بأن يعيش مستضعفا في بلاده ، وكأن القاعدة كانت تقضي بقتل موسى ، أما أن يبقي حيا يتنفس فإنها نعمة يمن بها عليه . [ 19 ] وذكره بقتل القبطي ، واعتبرها جريمة كبيرة تجعل صاحبه في مصاف الكفار ، فقال : وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ . إن حكام الجور يضعون قوانين يحكمون بها سيطرتهم على الناس ، ثم يعتبرون الخروج عليها جريمة بل كفرا - ولعل فرعون أراد أن يعير موسى بأنه لم يكن يومئذ يؤمن بالله - ويفتشون في ملف الثائرين ليجدوا فيها ثغرة يدخلون منها عليهم ، وينسون أن بقاءهم في السلطة رغما على الناس أكبر جريمة ، وأعظم كفرا . وقد يكون القانون سليما ، ولكن لا يحق للسلطان الجائر أن يكون منفذا له . إذ إن سلطته ليست شرعية ، وحين ينفي الثائر شرعية السلطة لا ينبغي الحديث عما يترتب عليها من الأنظمة السائدة . ولكن الطغاة يريدون تضليل الناس بذلك ، وعلى الرساليين ألا يأبهوا بذلك أبدا ، ويعيدوا إلى أذهان الناس أصل وجود النظام ، والذي لو لم تثبت شرعيته لا يحق له تنفيذ القانون ، بل تنفيذ القانون بذاته يصبح جريمة تسجل عليه وعلى أركانه . [ 20 ] لقد قتل موسى القبطي الذي أراد سخرة الإسرائيلي ، ولعله كان يقتله إن لم يقبل بسخرته ، وبذلك كان الرجل يستحق القتل بحكم القيم الحق التي فطر الله الناس عليها ، وجاءت بها شرائع الله . أوليس من قتل دون نفسه أو عرضه أو ماله فهو شهيد ؟ . ويبدو أن موسى تجاوز الحديث عن مقتل القبطي ، وركز على أمرين : الأول : أنه لم يكن كافرا بالله يومئذ ( إن كان مراد فرعون بقوله : مِنْ الْكَافِرِينَ الكفر بالرب ) وإنما كان ضالا بسبب فقدانه للرسالة التي هي الهدى والضياء عن سبل هداية قومه بالرسالة ، فقال : قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ إن الضلال ليس كالجحود والكفر إنما هو عدم الهدى وهو ليس عيبا ، وقد قال ربنا عن نبيه الأكرم صلى الله عليه وآله : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [ الضحى : 7 ] ولم يكن الرسول ضالا ، إنما لم يكن يحمل رسالة فهداه الله إليها .