السيد محمد تقي المدرسي
127
من هدى القرآن
بينات من الآيات : [ 34 ] إن الله يسلب العقول والأبصار من الذين يكفرون بالقرآن في الدار الدنيا بصورة معنوية ، أما في الآخرة فإنهم يفقدون كل ذلك بالصورتين المعنوية والظاهرية ، فإذا بهم يمشون مكبين على وجوههم الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ . قال بعض المفسرين : إنهم يمشون بعكس الآخرين ، فتكون رؤوسهم إلى الأرض . وأرجلهم إلى السماء ، ولعل التفسير الأحسن للآية : إنهم لا يرون أمامهم ، فهم مكبون على وجوههم . أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً إذا توقفوا ، وَأَضَلُّ سَبِيلًا إذا تحركوا وساروا ، ويبدو أن الآيات التالية شواهد تاريخية على حقيقة هؤلاء ، ولعل هذه الكلمة لا تخص الآخرة بل تشمل الدنيا أيضاً ، فإن للكفار بالوحي عقبى الشر في الدنيا كما في الآخرة . [ 35 - 36 ] ثم تتعرض الآيات إلى قصة قوم فرعون الذين كذبوا موسى عليه السلام كمثال على عاقبة السوء التي تنتظر المكذبين بالرسالات ، ويلاحظ الاختصار الشديد في القصة ، وذلك من أجل الاعتبار بالنهاية - إذ هي الهدف من بيان هذه القصص هنا - وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً ( 35 ) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً . ويوحي هذا التصوير القرآني البليغ بفكرة هامة ، وهي أن المقياس عند الله هو الإيمان بآياته ، أما السلطة والثروة وغيرهما فلا قيمة لكل ذلك عنده تعالى . [ 37 ] وتستمر الآيات تضرب لنا الأمثال من واقع الذين هلكوا بكفرهم ، وكيف أنهم دمروا بسبب تكذيبهم لرسل الله وآياته . أوليس خلق الله الخلق لعبادته ؟ ! ، بلى ؛ إذن فإذا كذبوا بالوحي فقدوا مبرر وجودهم ، فلا ضير أن يهلكهم الله . وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ بالطوفان ، وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً علامة وشاهدا على مصير المكذبين برسل الله ورسالاته . وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً ويبين هذا الشطر من الآية أن العذاب لا ينحصر في الماضين فقط ، بل يطال كل من يسير في خطهم ، وذلك حتى لا نتصور أنفسنا فوق سنن الله ، أو قادرين على الفرار منها . ولكن لماذا يقول القرآن عذابا أليما وليس عظيما مثلا ؟ .