السيد محمد تقي المدرسي

128

من هدى القرآن

ربما لأن الذي يكذب بآيات الله بهدف التمتع بحرام الدنيا ومن يفعل ذلك لابد وأن يؤلم بالعذاب في الآخرة ، وهذه الفكرة تتجلى في مواقع كثيرة من القرآن ، فغالبا ما يتطرق الذكر للعذاب الأليم بعد استعراض لذة حرام مباشرة ، ليبين أن الله يؤلم الإنسان في مقابل تلك اللذة . [ 38 ] وَعَاداً وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ الرس : تعني البئر ، وأصحاب الرس قوم كانت لهم بئر يعيشون عليها ، فأنذرهم رسولهم ، فلم يؤمنوا ، فهدم الله عليهم بئرهم وأهلكهم ومواشيهم . ويظهر من حديث مفصل يرويه الإمام الرضا عليه السلام عمن سأل جده الإمام علي عليه السلاموخلاصة مضمونها : ( إن أصحاب الرس كانوا يعبدون اثنتي عشرة شجرة صنوبر ، سموا أشهر العام باسمها ( وهي الأسماء الفارسية المتداولة للأشهر ) وزعموا أن نوحا عليه السلام قد زرعها ، وأنهم حرموا على أنفسهم مياه نهر لهم ، وجعلوها خاصة بتلك الأشجار المقدسة في زعمهم ! . وإن الله بعث إليهم نبيا ، من بني إسرائيل من ولد يهودا بن يعقوب ، فدعاهم إلى التوحيد فرفضوا ، فدعا ربه أن يهلك معبودهم فيبست كبرى الأشجار ، فزعموا أنها غضبت عليهم لدعوة الرسول بنبذها ، وقالوا : دعنا ندفن نبينا تحتها حيا فلعلها ترضى ، فحفروا حفيرة في وسط النهر ، وألقوا نبيهم فيها ، ووضعوا عليها حجرا كبيرا ، فغضب الله عليهم وعمهم بعذاب شديد ، حيث هبت عليهم ريح عاصف ، شديدة الحمرة ، ثم صارت الأرض من تحتهم حجر كبريت يتوقد ، وأظلتهم سحابة سوداء فألقت عليهم كالقبة جمرا يلتهب ، فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص ) « 1 » . ويبين حديث آخر أن من أفعالهم القبيحة فعل السحاق ، وهو الشذوذ الجنسي عند النساء ، وذكر الإمام الصادق عليه السلام أن حدها حد الزانية « 2 » . وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً فكل هؤلاء جرت عليهم سنة الله ، حيث دمرهم لتكذيبهم بآياته ، ورفضهم لما أتى به رسله . ويبدو أن المقصود من كلمة القرن في القرآن الحكيم هو الجيل حسب تعبيرنا اليوم ، وهم الذين يقارن بعضهم بعضا . وقيل أن القرن مئة عام أو سبعون سنة ، وقيل خمسون خريفا ، ولعله أربعون عاما لأنه الجيل من الناس يتبدلون كل أربعين عاما ، وسبق أن فصلنا القول في

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 14 ، ص 148 - 153 . ( 2 ) راجع : ثواب الأعمال : ص 267 .