السيد محمد تقي المدرسي
455
من هدى القرآن
الطبيعية قد وقع ، ولذلك جعل ذلك علامة لنوح عليه السلام ببدء الطوفان . فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ فإنهم سيغرقون مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ وهذه إشارة لحب نوح إلى قومه ، وكيف أنه كان يأمل هدايتهم ، ولكن الله نهاه أن يخاطبه في الظالمين . [ 28 ] فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ أي السفينة . فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ حينما يأتي نصر الله يجب أن نشكره ، ونذكر أن النصر ليست من ذواتنا ، وذلك حتى لا نصاب بالغرور ، وقد أمر الله نوحاً أن يحمده حتى لا يتصور قومه أنه إله ، وأنه هو الذي أنقذهم . [ 29 ] وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ فلا تفكر أن حاجتك إلى الله قد انتهت ، فأنت تحتاجه في كل لحظة ، فقد ترسو هذه السفينة في منطقة قاحلة ، لا زرع فيها ، ولا ضرع ، وكلمة البركة تدل على ما تدل عليه كلمتي التكامل والتنامي بإضافة مفاهيم وإيحاءات أخرى ، وحينما ندعوا الله أن يبارك لنا في شيء ، ويكمل حياتنا به ، فلندعه أن يعطينا التكامل في أبعاد الحياة . وسؤال نوح ربه بالمنزل المبارك دعاء بأن لا يجعل نزوله على الأرض نهاية لنعم الله عليه ، بل بداية لذلك ، وبالفعل حينما نزلوا إلى الأرض شرعوا في بناء حضارة ، لا ليأكلوا على حساب ميراث السابقين ، والمؤمنون حينما ينتصرون ، ويسقطون الطاغوت يعرفون بأنها نقطة البداية ، وآنئذ تبدأ مسؤوليتهم الأصعب في البناء الحضاري والتكامل . [ 30 ] إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ الدنيا ليست على شاكلة واحدة ، فهي مليئة بالمصاعب والمشاكل ، ومسؤوليتنا الاستعداد لهذه الحياة ، لا أن نفقد عزيمتنا ، أو تخور إرادتنا أمام الشدائد وقوله تعالى : وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ فيه تأكيدات على البلاء . [ 31 ] ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ القرن في تعبير القرآن هو الجيل أو الأمة . إذ يعاصر بعضهم بعضاً ، ويقرن إليه ، ولا ندري من هم هؤلاء ، فلعلَّهم كانوا قوم ثمود ، فهم الذين أهلكوا بالصيحة ، ولعلَّهم قوم عاد ، إذ هم أقرب تاريخياً إلى عصر نوح . ولعلَّ إخفاء اسمهم كان بهدف جعلهم أقرب إلى واقعنا ، وإن عذاب المكذبين سنة إلهية ، لا تختص بقوم دون قوم ، ولا عصر دون عصر ، لذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام وهو ينصح قومه : [ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الله قَدْ أَعَاذَكُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ عَلَيْكُمْ وَلَمْ يُعِذْكُمْ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ ، وَقَدْ قَالَ