السيد محمد تقي المدرسي
456
من هدى القرآن
جَلَّ مِنْ قَائِلٍ : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ] « 1 » . فالله لا يجور علينا ، ولكنه يبتلينا ، وعلينا أن نخشاه أبداً ، لأنه لا يخص قوماً دون قوم في الابتلاء . [ 32 ] فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ ونؤكد مرة بعد مرة : أن دعوة الأنبياء لم تكن مجردة أو ناقصة ، بل كانت دعوة ذات وجهين : الأول : إسقاط الطغاة . الثاني : إقامة حكم الله ، تحت ولاية أوليائه ، ويدل على ذلك جواب قومهم . [ 33 ] وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ الأشراف الذين كانت سلطتهم على الناس مهددة ، والذين يسميهم القرآن بالملأ ، هم الذين كانوا يعارضون الرسل قبل غيرهم ، ولماذا كانوا يعارضون ؟ . يقول القرآن : الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا . فالأسباب ثلاثة : 1 - كفرهم ، وحجبهم أنفسهم عن الحقيقة . 2 - تكذيبهم بالآخرة . 3 - ترفهم في الحياة الدنيا ، وبطرهم ، وغرورهم بنعمها . حيث كان ترفهم مهددا بهذه الدعوة ، لأنه قائم على الظلم ، والابتزاز ، والاستغلال والرسالات تعارض كل ذلك . مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ أي أن هذا من طبقتكم ، وطبيعتكم ، فلا تطيعوه ، وإذا عرفنا أن أكثر الطغاة كانوا يضللون الناس البسطاء بأن عنصرهم أفضل من عنصر الناس ، وأنهم متميزون عنهم ذاتياً ووراثياً ، ولأنهم الأقوى والأغنى . إذن عرفنا بعدا من أبعاد مثل هذه الآية ، وكان الملأ يقولون للناس : بأنهم أولى بالطاعة من الأنبياء ، لأن الأنبياء من طبقة المحرومين ، يأكلون مثلهم ، ويشربون مثلهم ، فهم لا يستحقون القيادة ، بينما هم - أي الطغاة - يتميزون عن الناس في مأكلهم ومشربهم . [ 34 ] وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ عندما ندرس حياة الأنبياء قد نتصور أنهم رجال ضخام ، ونتخيلهم ضمن هالة من القيم المادية ، أما إذا تصورناهم رعاة
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 5 ص 220 .