السيد محمد تقي المدرسي

415

من هدى القرآن

الليل والنهار [ 61 ] ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ما يحدث في الطبيعة مثل حي تمر به الأمم ، فمرة يمتطي صهوة التاريخ كفرة فجرة ، فيصيب المؤمنون جام انتقامهم عليهم ، فتعود مؤمنة كما كانت ، لكنها لا تلبث أن تضمحل وتتلاشى وتعود من جديد كافرة فاجرة . . وهكذا تتعاقب الأمم حتى يأذن الله لأوليائه الصالحين بالنهوض لإزالة الجاهلية والضلال من أرض الإنسانية جميعاً . إن معنى الإيلاج هو الإدخال ، فمرة يلج الليل في النهار ويدخل فيه ، ومرة يلج النهار في الليل ويدخل فيه ، ففي المرة الأولى يكون الفصل شتاء ، وفي المرة الأخرى يكون الفصل صيفاً ، لأن إيلاج الليل في النهار يعني اقتطاع الليل قطعة من النهار فيصير الليل أطول ، وهذا فصل الشتاء ، والعكس من ذلك إيلاج النهار في الليل . وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ أي إن الله قريب من السنن الجارية في السماوات والأرض ومن مظاهر قربه سمعه وبصره ، وإحاطته بكل صغيرة وكبيرة . أسماء الل - ه [ 62 ] ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ سلطته أعلى من سلطة الآخرين ، هذا إذا سلمنا جدلًا بأن للآخرين سلطة ، وإلا فهم في الحقيقة سراب يحسبهم الظمآن ماءً والله هو الحق المبين . وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ فما سواه ليس علياً ولا كبيراً إلا به ، والعلو والكبر تعبيران عن قدرة الله وسعة سلطانه ، فلتسقط الأصنام البشرية والحجرية التي تعبد من دون الله ، وليخلص العارف نيته وعمله لله الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل لأنه وحده الحق وما سواه هو الباطل . [ 63 ] وإنه لطيف خبير ، لطيف بعباده يرزقهم من حيث يحتسبون ومن حيث لا يحتسبون ، وخبير بحاجاتهم . أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ السماء تمطر والأرض تستقبل حبات المطر ، لتتحول تلك الحبات إلى بساط أخضر ، فطعام لنا ولأنعامنا . إن كل ذلك يدل على أن الله لطيف خبير .