السيد محمد تقي المدرسي
414
من هدى القرآن
جزاء الهجرة [ 59 ] لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ قد يكون هذا المدخل الذي يرضونه في الدنيا ، لأنهم خرجوا غاضبين في سبيل الله ، وقد يكون المدخل هو الجنة لأن اللام في قوله : لَيُدْخِلَنَّهُمْ تفيد المستقبل . وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ فهو يعلم عملك وسيجازيك عليه - ولكن بعد حين - لأنه حليم لا يعجل ، فمن جهة يعطي الكافرين مهلة أطول ، ومن جهة أخرى يطلب من المؤمنين الصبر حتى يعلم صدق إيمانهم . [ 60 ] * ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ ذلك لأن الذين خرجوا من ديارهم مهاجرين إلى الله سوف يرجعون إليها فاتحين بإذنه ، فيقتلون أعداء الله وأعداءهم ، لأنهم تعرضوا للبغي ، والبغي هو أن تطالب بحقك المغصوب فلا تعطى إياه ، بل وأيضاً تواجه بالقمع والإرهاب . إذ لا يجد غاصبوك سبيلًا لإسكاتك إلا بالقضاء عليك . ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ أي مواجهة الإعدام بالإعدام . . مثلًا بمثل ، ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ أي ظلم بعد أخذه لحقه المشروع لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ في هذه الكلمة تأكيدان على تحقيق النصر ، أولهما يدل عليه لام التوكيد ، وثانيهما تعبر عنه نون التوكيد . إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ عفو غفور مما تجاوزتم ، ودلالة عفوه وغفرانه نصره لكم . استوحى بعض المفسرين من الآية فكرة هامة أن الصراع في الإسلام ليس قاعدة مطردة كما في النظرية الماركسية ، إنما هو حالة اضطرارية ، فالإسلام يدعوك إلى أن تضرب صفحاً عمن يظلمونك أو يسلبون بعض حقوقك البسيطة ، أما حين يتعدى هؤلاء الحد في السلب والظلم ، آنئذٍ يجب عليك أن ترفع عقيرتك في وجوههم وتواجههم فيكون صراعك لا من أجل الصراع ذاته ، بل من أجل العدالة ، وحالما يعود إليك حقك آنئذ تقف عند هذا الحد . ومثل هذه الآية قوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً [ الإسراء 33 : ] . إذا وقبل كل شيء يجب أن يكون الصراع في الله وبالله ، نهب متى استنهضنا ونقف عندما يأمرنا بذلك .