السيد محمد تقي المدرسي
413
من هدى القرآن
ونستوحي من منهج القرآن في ذكر أسماء ربنا هنا وفي سائر السور ، إن الله يريد أن يعرِّفنا نفسه في مختلف جوانب الحياة التشريعية والاجتماعية ، أو المادية التكوينية ، وأن هناك مسافة تفصل بين الإيمان والمعرفة ، كما تفصل مسافة مماثلة بين الإسلام ، والإيمان ، فليس كل مسلم مؤمناً ، وليس كل مؤمن عارفاً وأن للعرفان درجات . إن الله سبحانه وتعالى قد تجلى في آيات القرآن لعباده ، كما تجلى في آيات الحياة ليعرِّفنا نفسه ، فكيف نعرف الله ؟ باستطاعتنا أن نعرف الله سبحانه عبر صفاته وأسمائه الحسنى ، المبثوثة في آياته القرآنية والكونية ، فكل شيء وكل آية هي تجلٍّ واضح لأسماء الله وصفاته . جمال الربيع ، وبهجته ، وعبق أزهاره ، يقودنا إلى جمال الله ، وعظمة الليل والنهار ، ودوران الفلك العظيم بشموسه وأقماره ، يهدينا إلى عظمة الله ، وأنه علي كبير . وقطرات المطر التي تنزل من السماء ثم تستقر في رحم الأرض ، وتتفاعل مع حبات التراب ، وإذا بتلك البذرة الصغيرة ترتفع نحو السماء ، فتصبح شجرة عظيمة ، كل ذلك يقودنا إلى لطف الله في صنعه . أما إذا نظرنا إلى ما في الجبال من خزائن ، وما في البحار من ثروات معدنية وحيوانية ، وما في الأرض من كنوز ومعادن ، فسنعرف آنذاك أن ربنا غني حميد . وأنه على كل شيء قدير . وحين نعرف بأن ربنا سبحانه قد جعل في السماوات والأرض أنظمة وسننا - يحفظنا بها - ولولا ذلك لانتهت حياتنا على الأرض ، أو تحولت في أحسن الظروف إلى جحيم لا يطاق . إن نظام الغلاف الجوي كأبرز مثال من الدقة بحيث لو أنه كان أقل سمكاً لتهافتت النيازك والشهب فأحرقت الأرض ، ولو أنه كان أسمك قليلًا لما استطاعت الأرض أن تأخذ قدراً كافياً من أشعة الشمس فكانت تتجمد ، وهكذا الجاذبية ، وسماكة الأرض . . أقول إذا عرفنا كل ذلك هدانا الله إلى أنه سبحانه رؤوف رحيم . وكذلك تحولات حياتنا من الموت إلى الحياة ، ومن الحياة إلى الموت ، يدلنا على أن تدبير الأمور بيد غيرنا لا بيدنا نحن ، وأن الرحمن على العرش استوى . وهكذا نجد في هذه الآيات منهجاً قرآنياً عظيماً . حيث يذكرنا بآية من الآيات ، ثم بصفة من صفات الخالق ، واسم من أسمائه ، وهذا هو الأسلوب المناسب لمعرفة الله سبحانه ، وبتعبير آخر التحول من درجة الإيمان إلى درجة المعرفة .