السيد محمد تقي المدرسي
412
من هدى القرآن
وبمناسبة الحديث عن الهجرة يحدِّثنا القرآن الحكيم عن قدرة الله ، وأهم وأبرز مظاهر هذه القدرة حركة الليل والنهار ، وإيلاج كل واحد منهما في الثاني ، فكما يبدل الله - سبحانه - الليل نهاراً ، فإنه كذلك يبدل ظلام الإرهاب والكفر والجاهلية إلى نور العدالة والإسلام والحرية . تلك القدرة المهيمنة على الكون هي ذاتها القدرة المهيمنة على المجتمع ، لأن قيادة هذا الكون ، وولايته سواء في السماء أو في الأرض لله الحق وحده . بينات من الآيات : [ 58 ] بعد أن ذكَّرنا الرب سبحانه ببعض حقائق الإيمان في آيات آنفة ، جاءت هذه الآية تذكِّرنا بدور الهجرة في الله . لماذا ؟ لأن الطريق إلى الإيمان يمر عبر الهجرة والجهاد . إذ إن الطغاة لا يدعونك حراً تؤمن بالله وحده ، وتطبق منهجه فقط ، إنما يريدون أن تميل عن عبادة الله إلى الشرك به بعبادتهم ، ولابدَّ من تحديهم حتى تصبح مؤمناً بالله وحده . ومن هنا تبدأ مرحلة الجهاد بالهجرة من ديار الكفر إلى بلاد الإسلام . والواقع فالهجرة ذاتها مرحلة متقدمة من مراحل الإيمان ، فليس كل مؤمن مستعداً للهجرة إلى الله بعيداً عن أهله ووطنه ، والهجرة لا تتم من دون معاناة ، فالمهاجر عادة يتعرض للقتل بسبب أو بآخر . وليس هناك ما يعوض القتل أو الموت إلا الرزق الحسن من الله ، فهذا المهاجر الذي ترك موارده الخصبة في بلده ، يعوضه الله خيراً منها دار الخلود ، وبدل خروجه من وطنه ساخطاً يدخله تلك الدار راضياً مرضياً . هذا لمن يهاجر ويلقى حتفه ، أما الذي يبقى حياً فإنَّ الله سوف ينصره نصراً مؤزراً على من كانوا السبب في تهجيره وتشريده ، وبما أن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان تنشأ من السخط على الأوضاع الف - اسدة - السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية - فإنَّ الهجرة في عرف الطغاة تشكل رأس الحربة ، لذا فهم يسعون لوأد هذه الحركة بقتلهم المهاجرين ، أو التضييق عليهم كأن يبرموا الاتفاقات مع الدولة الأخرى - التي يلجأ إليها المهاجرون - كي يسلموهم ، أو يضيقوا عليهم حتى يستحيل عليهم النصر فيموتوا بعد سني النضال الطويل وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمْ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً هكذا يعرفنا الله نفسه من الآية : ( 58 ) إلى الآية : ( 65 ) يذكرنا القرآن ب - ( 15 ) اسماً من الأسماء الحسنى ، هي : ( خير الرازقين ، العليم ، الحليم ، العفو ، الغفور ، السميع ، البصير ، العلي ، الكبير ، اللطيف ، الخبير ، الغني ، الحميد ، الرؤوف ، الرحيم ) .