السيد محمد تقي المدرسي
396
من هدى القرآن
إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ ( 43 ) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ التكذيب عادة جرت عليها أسلاف هؤلاء المكذبين ، وهذه أمثلة من التاريخ حيث كذب هؤلاء الرسل وأصروا على منكرهم ، فلا ينبغي أن ننتظر ما دمنا في خط الرسل القبول السريع والمؤكد من أقوامنا ، ولكن لنطمئن ، فإنَّ طريقنا وتحركنا ينسجم والخط العام للحياة . لأن الخط العام للكون وطريقنا آنئذ يسيران معاً في اتجاه واحد ، إلى الله . ليس من مسؤوليات الرسول أن يكره الناس على قبول رسالته ، كما أنه ليس عليه أن يقلق لتكذيبهم ، فإنه عادة الناس ، ولكن واجب الرسول الصبر وانتظار الفرج ، وسواء استمع إليه الناس أم أعرضوا . . صدقوه أم كذبوه . . فدوره ينتهي بتبليغ الرسالة ، ومن ثم ، فالنتيجة بيد الله ، إن شاء عذبهم ، أو أمهلهم حتى حين . وَكُذِّبَ مُوسَى لم يكذب موسى عليه السلام من قبل قومه وإنما كذبه فرعون وملؤه ، ولذلك لم يعطف السياق على السابق وإنما قال : وَكُذِّبَ مُوسَى . فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ أي أعطيتهم مهلة من الوقت قد تطول أو تقصر ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فجاءهم العقاب المدمر . فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ لقد سلَّط الله عذابه عليهم ، فمحقهم محقاً ، ووضع حداً لما هم عليه من التكذيب والجحود ، وهكذا ينكر الله على الناس تكذيبهم إنكاراً عمليًّا . أرأيتم كيف يكون نكير الله ؟ . [ 45 ] إن الله سبحانه قد جعل في التاريخ حتمية لا محيص عنها ، وهي حتمية الانتقام من أعداء الله ، إذ إن سنن الله في الطبيعة تلتقي مع الحق في كل النقاط ، وتجاوز الحق ، تعد على تلك السنن ، فلابد لها أن تنتقم بإرادة الله سبحانه ، وبأي شكل كان ، سواء على شكل صاعقة تنزل ، أو في صورة بركان يتفجر ، أو حرب تدمر ، أو قحط شامل ، أو طاعون ينشر الموت . وعلى الإنسان أن لا يأمن مكر الله ، فينسى نقمته ، ويظن أن ما يحيط به من نعمه وفضله وآلائه ، هو كل ما في الحياة ، كلا بل إن للحياة وجهاً آخر ، تتمثل في الانتقام الشديد . بلى ؛ من الصعب على الإنسان أن يصدق بأن ذلك الإله الرحيم الكريم ، الذي تولى خلقه طوراً فطوراً ، وكان معه في كل حركة من حركاته ، والذي تتجلى رحمته وفضله علي - ه في كل شيء ، أنه تعالى يمكر به وينتقم منه أشد الانتقام ، لذلك نجده تستدرجه النعم ، وتغره الأماني ، حتى إذا أحاط به ذنبه قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ( 99 ) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً [ المؤمنون : 99 - 100 ] . فلكي لا يصبح هكذا يجب عليه أن يذكر نفسه بما مضى من الأمم ، وما جرى عليهم ، وأن يسير في الأرض بحثاً عن تلك الحضارات التي سادت ويتساءل لماذا بادت . إن السير