السيد محمد تقي المدرسي
397
من هدى القرآن
في الأرض ، وزيارة المتاحف الأثرية ، وأطلال المدن الكبرى ، ودراسة التاريخ ، لا سيما تاريخ الحضارات البائدة ، كل ذلك يوحي إلينا بتلك الحقيقة التي لا تستهوينا ، ولا نريد معرفتها ، وهي أن الله يمكر بالإنسان إذا ظلم وطغى . وينتقم منه بأشد العذاب . وتؤكد آيات هذا الدرس هذه الفكرة ، وتشير أيضاً إلى مصير أولئك الذين كذبوا هذه الحقيقة الناصعة ، ولم ينفعهم النهي عن المنكر الذي قام به أنبياء الله عليهم السلام ، ومن سار على دربهم . فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ تبيد الحضارة في بعض الأحيان بصورة طبيعية كما يموت الإنسان بعد أن يشيخ وتضعف بنيته الجسدية ، فتنطفئ شمعة الحياة شيئاً فشيئاً ، وقد تباد الحضارات بصورة فجائية وبعذاب إلهي فتكون كما يموت الشاب بموت الفجأة بالرغم من أن جميع أعضائه تبدو سالمة ، كل ما في الأمر أن الروح تفارق جسده ، هكذا حال الحضارات ، فعندما تنحرف عن أهدافها المرسومة لها ، فإنَّ الله يوجه إليها ضربة قاضية في صورة زلزال مدمر أو صاعقة من السماء ، فتبيد حضارتهم البشرية ، بالرغم من أن المظاهر المادية لهذه الحضارات تظل سالمة لتبقى عبرة للأجيال . ولعلَّنا نستوحي هذه الفكرة من قوله سبحانه وَهِيَ ظَالِمَةٌ التي تدل على أن الهلاك نزل بهم حين ظلمهم . لقد خلق الله سبحانه الطبيعة بحيث لا تتلاءم مع الانحراف والجريمة ، فهي تصبر زمنا ثم تتفجر غضباً - حين يشاء الله - لتعيد الأمور إلى نصابها . فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا أي خالية من ساكنيها بالرغم من سلامة أبنيتها وعمرانها . وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ هي التي ما زال ينضح ماؤها ، ولكن أمست بلا رواد . أما القصر المشيد فإنه يرمز إلى مباني الملوك والحكام الظلمة ، حيث ذهبوا ولم تغنِ عنهم قصورهم من الله شيئاً . لقد هلك القوم وتداعت البيوت فيها فهي خالية ، وعروشها قد تهاوت ، أما البئر التي هي محور الحياة في الصحراء ويعتبر مالكها سيد الناس ، فقد تعطلت بعد أن كانت مركز التجاذب وسبب الصراع ، بينما بقيت القصور المشيدة التي تعالت وتجصصت خالية ترمز إلى فناء أهلها . وفي الأحاديث أن العالم الصامت ، هو البئر المعطلة ، بينما العالم الناطق هو القصر