السيد محمد تقي المدرسي
225
من هدى القرآن
وهؤلاء السحرة حينما آمنوا بالله صار بديهيًّا أن يتيقنوا بالبعث والجزاء وجملة المعارف الحقة . ثانياً : عندما يكون طريقه للإيمان بحقيقة معينة مليئاً بالعقبات والضغوط ، ولكن يصر الإنسان على تجاوزها فيختصر المسافة إلى الإيمان الخالص ، الذي يصعب الحصول عليه في الظروف الطبيعية . والسحرة ، حينما آمنوا بالله ، كانوا قد أسقطوا حواجز الإغراء والإرهاب الفرعوني ، وتنازلوا عن المكانة الاجتماعية ، واقتلعوا أنفسهم من حضيض الدنيا . وبالتالي وصلوا إلى هذه المرتبة العليا ، بلى إن مجرد إيمانهم في تلك الظروف كان يعني تحدياً لسلطات الشهوة والقوة ، بكل أبعادهما ، فطووا كل المراحل في لحظة عظيمة تجلى الرب فيها لقلوبهم ، بعد أن استعدوا للتضحية بكل شيء لله ، وللحق الذي شاهدوه بأعينهم . ثالثا : لأنهم عبدوا الطاغوت لبعض الوقت ، ولعلهم كانوا قد عرفوا ، بوحي ضميرهم ، ودلالة عقولهم : أنهم مجرمون ، لأنهم يؤيدون مجرماً قذراً جباراً في الأرض ، فكانت عقدة الذنب تلاحقهم ، فلما آمنوا كانوا يبحثون عمَّا يطهرهم ويغسل ذنبوبهم الكبيرة ، ويشهد على هذا التفسير الثالث ، السياق ، وهكذا حينما تجلَّت الحقيقة في عصا موسى عليه السلام لم يتمالك السحرة أنفسهم فألقوا ساجدين ، نعم . . لقد آمنوا بالآخرة وتيقنوا من البعث والحساب فاستهانوا بالدنيا ، حتى صار تنازلهم في سبيل القيم أمراً هيناً ، ثم استدركوا : [ 73 ] إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا ولو كان هذا الإيمان ، وهذه الأمنية بالغفران ، يكلفنا العذاب والصلب ، وهذا هو الإيمان الحقيقي ، الإيمان الذي يستعد صاحبه لكل شيء إلا التنازل عنه . ومع أنهم يطلبون الغفران بشكل عام ، إلا أنهم يخصصون خطيئة السحر ، لأنهم أدركوا الأبعاد السيئة لأن يخدم الإنسان نظاماً فاسداً ، ويكون وسيلة له لمواجهة الرسالة والمؤمنين ؛ قالوا : وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ بسبب إغراءاتك وتهديداتك ، وخططك الماكرة . وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى رداً على مقولة فرعون تحدياً : أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى . قالوا : كلا . . الله - ولست أنت - خير وأبقى .