السيد محمد تقي المدرسي

215

من هدى القرآن

على نفيه ، كما أن الله يحكم عليهم بالقسط ، ولا يظلم أحداً شيئاً ، وأن هذا الكتاب لا يسجِّل باطلًا ولا يمحى عنه شيء ، فلا يضل ولا ينسى . ثم أشار موسى إلى صفات الرب ، لعلَّ فرعون يخشع قلبه لذكر الله ، ومن لم يلن قلبه لذكر الله ، فإنه أقسى من الصخور الصماء . [ 53 ] الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا أي جعل الأرض بحيث تستطيعون البقاء عليها ، إذ لو كانت الأرض من حديد أو رمال متحركة أو أسمك قليلًا ، أو أرق قليلًا ، لتغيرت معادلة الحياة عليها . وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى نظرة إلى الكون فيما حول الإنسان ، كافية بأن تعطيه فكرة هامة هي : أن هذا الكون مخلوق ، لأنَّ كل شيء فيه مرتب ترتيباً دقيقاً لهدف معين ، فالأرض أعدت للسكن والزرع وتخزين المعادن والمياه وغيرها ، والجبال لترسي الأرض وتصد الرياح وهكذا . وحسب حاجات الإنسان والحيوان والأرض والبيئة ينبت نبات الأرض وهذا دليل على وجود حكمة بالغة تدبر هذا الكون . [ 54 ] كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى أولي النهى : أولو الفكر ، وقد قال الله عنهم : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [ آل عمران : 91 ] ، وأولي النهى ، أي الذين ينهون الناس عن الانحراف . [ 55 ] * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى هذه الأرض هي أمنا الحنون التي خلقنا منها وتحركنا عليها ، ثم نعود إلى بطنها ثم نخرج من بطنها مرة أخرى لكي نحاسب ، هكذا قال موسى لفرعون . ولعلَّ مراد الله في هذه الآية تذكير الطغاة الذين يستعلون في الأرض بغير الحق ، ويستعبدون الناس ، تذكيرهم بأن الناس جميعاً من تراب ، فلا تفاضل بينهم في المنشأ ، ويعودون إلى التراب ، فلا تفاضل بينهم في المصير ، ويقومون من التراب للجزاء ، وهو الذي يجسد التفاضل الحقيقي بينهم وذلك بالعمل الصالح .