السيد محمد تقي المدرسي
205
من هدى القرآن
بينات من الآيات : منة النجاة [ 37 ] وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى كما مننا عليك اليوم بالرسالة ، كذلك مننا عليك بنجاتك ورضاعتك وتربيتك . [ 38 ] إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى وضعنا خطة لخلاصك من يد فرعون وجلاديه ، حيث إننا أوحينا إلى أمك صنع تابوت ووضعك فيه ، ثم تتركه في اليم . إن الإنسان مزود في حياته بتعاليم حول السلامة والاسترزاق دون أن يعرف أن هذه تعاليم ، وبطريقة ما ينقذ نفسه وينقذ من كلف به من الأخطار بسببها ، جاء في تعقيب صلاة العشاء : [ اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَيْسَ لِي عِلْمٌ بِمَوْضِعِ رِزْقِي وإِنَّمَا أَنَا أَطْلُبُهُ بِخَطَرَاتٍ تَخْطُرُ عَلَى قَلْبِي ] « 1 » ، كل ذلك بوحي من الله سبحانه وتعالى ، ولكن ذلك يتجلى عند موسى عليه السلام بشكل أكبر ، ليرمز به الله سبحانه في وحيه إلى الناس . . كل الناس . . في سائر الظروف . [ 39 ] أَنْ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ قالوا : بأن أم موسى عليه السلام حينما جاءها الوحي أن تصنع تابوتاً لم تعرف كيف تصنع التابوت ، فجاءها جبرئيل وعلمها كيف تصنع التابوت ، ثم بطنت داخل التابوت بالقطن ، لتمنع تسرب الماء إلى داخله ، ثم أغلقت التابوت على موسى ، فقذفته في اليم ، واليم هنا هو نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ أي يقذفه النيل إلى الشاطئ ، ولكن أي شاطئ ؟ ! إنه بيت فرعون ، وهنا نلاحظ بوضوح كيف تسخر الطبيعة في خدمة الإنسان . من مأمنه يؤتى الحذر يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ لماذا يربي الله موسى عليه السلام في بيت عدوه ؟ لأنَّ الله سبحانه وتعالى يريد أن يقول للبشرية جميعاً : أيها البشر ! أنا خالقكم وأموركم بيدي ، فها أنا ذا أربي موسى في بيت فرعون عدوي وعدوه ، تحت عيني فرعون ، ثم أسلطه عليه ، وهذا دليل على أن قوة الله وقدرته قد تأتي من داخل قصور الطغاة ، وكما يقول الإمام علي عليه السلام : [ مِنْ مَأمَنِهِ يُؤْتَى الْحَذِرُ ] « 2 » .
--> ( 1 ) البلدالأمين : ص 30 ، ما يختص به صلاة العشاء . ( 2 ) غرر الحكم : حكمة : 11126 .