السيد محمد تقي المدرسي
206
من هدى القرآن
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ألبس الله سبحانه موسى عليه السلام ثوب المحبة كما يلبس الإنسان ثوباً ، بحيث ينجذب إليه ويحبه كل من يراه . في تنمية المواهب وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي أراد الله أن ينمي مواهب موسى عليه السلام بصورة استثنائية تمهيداً لتحميله الرسالة ، وكذلك بالنسبة إلى جميع الأنبياء عليهم السلام حيث إن الله سبحانه يختار أنبياءه منذ طفولتهم فيعرضهم للامتحانات ، وينمي مواهبهم بطرق معينة ، وهذا لا يخالف الفكرة الإسلامية حول : أن الأنبياء يتعرضون لامتحانات كما يتعرض غيرهم ، قال تعالى : وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [ البقرة : 124 ] . إن الله سبحانه وتعالى يعرض أنبياءه لامتحانات صعبة إلى درجة لا يتحملها الإنسان العادي ، وإذا لم يتحملها النبي فلا يختاره ، ولكن مع ذلك هناك نعمة تسبق نعمة الامتحان ، وهي بناء النبي بناءً استثنائياً استعداداً لتحميله مسؤوليات ضخمة في المستقبل ، ويمكن أن نضرب مثلًا لهذه الحالة بالتدريب في الوحدات الخاصة في الجيش . هؤلاء المنتمون إلى هذه الوحدات يتعرضون لتدريب صعب وشاق لتنمو مواهبهم ، وتتدرب أجسادهم على الصعاب ، ولكن هل يكتفي المدرب بهذه التدريبات الصعبة الشاقة ؟ كلا . . إنما يمتحنهم بعد ذلك امتحاناً ، فإذا سقط أحدهم في الامتحان يسرح . النبي كذلك يتعرض منذ نعومة أظفاره لصعوبات ، فعيسى عليه السلام تعرض لصعوبة ما ، حيث إنه ولد من غير أب ، فاتهموا أمه الطاهرة مريم عليها السلام ، فأنقذهما الله من هذه التهمة ، وإبراهيم عليه السلام ولد في وضع مشابه لوضع موسى عليه السلام ، حيث كان نمرود يقتل الأبناء ويستحيي النساء ، فولدته أمه في هذا الوضع ونجَّاه الله سبحانه ، ونبينا محمد صلى الله عليه وآله تعرض منذ طفولته لليتم . في بيت فرعون [ 40 ] إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ حينما أنقذ الله موسى من فرعون ، أنقذه من خطر مادي ، ولكن ينقذه هنا من خطر معنوي ونفسي ، ذلك هو تربيته بدون أم وأب ، فيفتقد إلى الحنان ، وافتقاده إلى حنان الوالدين قد يسبب له عقدة نفسية ، فيفقد السلامة النفسية الضرورية لاستقبال الوحي ، ولكن الله قدر أن يحل هذه المشكلة .