السيد محمد تقي المدرسي
191
من هدى القرآن
وعلاقاته ، وهذا التجرد ضرورة تمهيدية لاستقبال نور السماء ، نور الرسالة ، فإذا كانت عندك علاقة بأهلك ، بأولادك ، بسلطانك ، فإنك لن تفهم الرسالة ، ولن تتمكن من استيعابها . إنما تفهم الرسالة ، إذا انفصلت عن علاقاتك ، واتجهت إلى الله ؛ لذلك نحن في الحج ، نؤمر بأن نخلع ملابسنا العادية ونلبس ملابس بسيطة ، يعني تجردنا عن علاقاتنا الأرضية ، وقيمنا المادية ، وتوجهنا إلى الله سبحانه وتعالى ، لذلك أمر موسى بخلع نعليه ، وبذلك جاءت النصوص الإسلامية التي نفت في ذات الوقت أن تكون نعلًا موسى - آنئذٍ - من جلد حمار ميت ، ولذلك أمر بنزعهما نقرأ معاً النص التالي المأثور عن الإمام الحجة القائم عليه السلام : في كتاب ( كمال الدين وتمام النعمة ) بإسناده إلى سعد بن عبد الله القمي عن الحجة القائم عليه السلام حديث طويل وفيه : [ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ الله عَنْ أَمْرِ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُوسَى : فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى فَإِنَّ فُقَهَاءَ الْفَرِيقَيْنِ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ إِهَابِ الْمَيْتَةِ ! فَقَالَ عليه السلام : مَنْ قَالَ ذَلِكَ فَقَدِ افْتَرَى عَلَى مُوسَى وَاسْتَجْهَلَهُ فِي نُبُوَّتِهِ إِنَّهُ مَا خَلَا الْأَمْرُ فِيهَا مِنْ خَصْلَتَيْنِ : إِمَّا أَنْ كَانَتْ صَلَاةُ مُوسَى فِيهَا جَائِزَةً ، أَوْ غَيْرَ جَائِزَةٍ ، فَإِنْ كَانَتْ جَائِزَةً فِيهَا فَجَازَ لِمُوسَى أَنْ يَكُونَ يَلْبَسُهَا فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ وَإِنْ كَانَتْ مُقَدَّسَةً مُطَهَّرَةً . وَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ غَيْرَ جَائِزَةٍ فِيهَا فَقَدْ أَوْجَبَ أَنَّ مُوسَى لَمْ يَعْرِفِ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ وَلَمْ يَعْلَمْ مَا جَازَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ مِمَّا لَمْ تَجُزْ . وَهَذَا كُفْرٌ . قُلْتُ : فَأَخْبِرْنِي يَا مَوْلَايَ عَنِ التَّأْوِيلِ فِيهِمَا . قَالَ عليه السلام : إِنَّ مُوسَى عليه السلام كَانَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ فَقَالَ : يَا رَبِّ إِنِّي أَخْلَصْتُ لَكَ الْمَحَبَّةَ مِنِّي ، وَغَسَلْتُ قَلْبِي عَمَّنْ سِوَاكَ . وَكَانَ شَدِيدَ الْحُبِّ لِأَهْلِهِ ، فَقَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ، أَيِ انْزِعْ حُبَّ أَهْلِكَ مِنْ قَلْبِكَ إِنْ كَانَتْ مَحَبَّتُكَ لِي خَالِصَةً وَقَلْبُكَ مِنَ الْمَيْلِ إِلَى مَنْ سِوَايَ مَشْغُولًا ] « 1 » . والسؤال الآخر : ما هي العلاقة بين خلع النعلين وبين الوادي المقدس طوى ؟ . العلاقة أن الإنسان في الأماكن المقدسة والمشرفة ، يجب ألّا يكتفي بخشوع قلبه ، وإنما يجعل مظهره بشكل يدل على أنه خاشع لله سبحانه . لذلك يستحب في بعض الأماكن المقدسة أن يتحرك الإنسان إليها بخطى وئيدة ، لكي تدلّ طريقة مشيه على أنه خاشع ، وهكذا أمر الله موسى بأن يخلع نعليه في ذلك المكان المقدس الذي لم يقدس لذاته ، وإنما لأنه ينتسب إلى من هو متّصف بالقدسية ، أوليس أوحى الله سبحانه في هذا المكان ، أوليس الوحي مقدساً ؟ .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 13 ص 65 .