السيد محمد تقي المدرسي
117
من هدى القرآن
مريم ، تلك الوالدة الرسالية التي وهب الله لها غلاماً زكياً ، وكانت مثلًا ، وقدوة ، وأسوة لكل الوالدات . ومن خلال العرض القرآني لصفات يحيى وقصة مريم ، تتبين لنا عدة أمور : الأمر الأول : إن التربية المثالية التي يتوجب على الوالد أن يقوم بها تجاه ابنه ينبغي أن تسير في عدة خطوط : 1 - أن يتطلع الوالد إلى أن يكون ابنه امتداداً له ، ومجسداً للميزات التي تتصف بها عائلته ، فالإنسان وريث حضارة قد تعب من أجلها الآخرون ، وقد تراكمت التجارب البشرية حتى تحوَّلت إلى حضارة ورثها الفرد ، كما أن تجاربه هو ، ومكاسبه ، وخبراته ، قد تجمَّعت هي الأخرى ، وتراكمت عنده وتحولت إلى قواعد سلوكية ، وقيم إنسانية ، وعمرانية ، كل ذلك يتجمع عند الإنسان ، وعليه أن يسلمها إلى الجيل الثاني ، وهذه هي مسؤولية الإنسان كما هي رغبته الفطرية ، وأن رغبة الإنسان الفطرية تتلخص في كلمة وهي : أنه يريد أن يرى إذا أغمض عينيه ، ورحل عن الحياة ، من يتابع مسيرته ، ويجسد قيمه ، ويحتفظ بخبراته ومكاسبه . 2 - ينبغي أن يكون الوالد عالماً ، بأن الجيل القادم سوف لا يكون بالضبط مثل جيله ، بل سيكون جيلًا له خبراته ، وعليه مسؤولياته ، وله ظروفه الخاصة ، وبالتالي ينبغي أن تتوجه تربيته لابنه باتجاه بناء الجيل القادم ، حسب ظروف ومتغيرات ومسؤوليات ذلك الجيل ، ليعيش أبناؤه لمبادئهم المتطورة كما يعيشون ماضيهم التليد ، ولكي لا يكون لهم بعد واحد هو تكرار الماضي ، واجترار ما فيه ، بل يكون لديهم بعد آخر هو بناء الحاضر والتطلع للمستقبل . 3 - أن يربي الإنسان أبناءه على الارتباط بالماضي ، وعدم الانفصال عنه ، وأحد نتائج ذلك هو : أن الأب عندما تقعد به السنون عن العمل ، ويصبح جليس البيت ، فإنّ ابنه لا يتركه وحده ، بل يحن إليه ، ويكون باراً به . وهكذا فإن الصفات التي تتكون عند الأبناء هي : أن يكونوا امتداداً للحضارة التليدة وحماة لها ، بل يكونوا بناة لحضارة جديدة ، وهذه الصفات الثلاث تجسدت في يحيى عليه السلام . الأمر الثاني : إن القرآن الحكيم يضرب لنا أمثلة مثيرة ، تتجسد فيها نوعية خاصة من طبيعة ذلك الموضوع الذي يريد أن يبينه .