السيد محمد تقي المدرسي
118
من هدى القرآن
فإذا أراد أن يضرب مثلًا لعلاقة الأب بابنه ، فإنه لا يأتي بأي أب وأي ابن ، أو يضرب لنا من واقعهما مثلًا ، كلا . . فذلك لا يثير الإنسان ، بل يبيّن قصة تأريخية ، ذات نوعية فريدة ويضربها مثلًا ، لا لكي تبقى في الذاكرة فقط ، وإنما أيضاً لأن ذلك المثل يبقى مثالًا بارزاً كالشمس لا يحتاج الإنسان للبحث عنها ، وفي هذا المورد يذكر لنا القرآن قصة يوسف ووالده يعقوب ، وإذا أراد أن يضرب لنا مثلًا عن تطلعات الأب تجاه ابنه ، وصفات الابن تجاه هذه التطلعات ، فإنه يضرب مثلًا من قصة زكريا مع ابنه يحيى ، وإذا أراد أن يضرب لنا مثلًا عن علاقة الأم بابنها ، فإنه لا يبحث عن أي أم في العالم ، وإنما يضرب المثل من قصة مريم الصديقة التي كانت متحررة من الدنيا ، ولكن الله سبحانه لم يشأ لها أن تبقى هكذا متحررة فأراد أن يبتليها بالابن ، وهذه هي سنة الحياة . لقد شاء أن يقول لها : عليك أن تتحملي مسؤوليتك كأم ، إلى جنب مسؤولياتك كمربية ، وهادية للناس ، أو متعبدة وزاهدة في المسجد ، وهكذا بين القرآن الحكيم الحالات النفسية ، والحالات المادية الصعبة التي يجب أن تجتازها الأم وتبقى صامدة ، وهل هناك حالة أصعب من فتاة عمرها عشر سنوات ، لم تتزوج ، ولم تر بشراً ، حملت فهجرت بيتها ، وتركت أهلها إلى الصحراء ، فجاءها المخاض إلى جذع النخلة ، وهي لا تعرف ماذا تصنع ؟ ! . فلتكن هذه المرأة مثلًا لكل النساء لكيلا يتهربن من مسؤوليات الأمومة التي هي مسؤولية الحياة الطبيعية ، بل ينتظرن العاقبة ، تلك العاقبة . التي انتظرتها مريم ورأت كما رأى الناس كيف كانت حسنة وخيراً ورحمة . الأمر الثالث : الجمع بين رسالية الإنسان وطبيعته ، فلكي تكون رسالياً ليس من الضروري أن تترك طبيعتك ، ومسؤوليتك الاجتماعية في الحياة ، بل يمكن أن تكون رسالياً ، وفي نفس الوقت أباً أو ابناً أو أمَّاً ، وتحتفظ بكل المسؤوليات الاجتماعية التي يقوم بها أي فرد عادي . بينات من الآيات : وآتيناه الحكم صبياً [ 12 ] يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً ولد يحيى وأعطاه الله الرسالة ، وأمره بأن يجعل كل حياته ، وجماع عزمه ، وشدة بأسه في الالتزام بتبليغ هذه الرسالة ؛ فقد يأخذ الإنسان شيئاً وهو غير مطمئن إلى طبيعته أو نتيجته ، بينما يبحث فرد آخر عن نفس الشيء ، ويأخذه بقوة وهو مطمئن به مصمم على الدفاع عنه ، وهكذا أمر الله يحيى بأن يأخذ