السيد محمد تقي المدرسي
108
من هدى القرآن
أن يرسم لهم المنهج السليم في السلوك والعلاقات . الثانية : إن هناك فرقاً بين الوصفة الطبية والدواء الذي تشتريه بموجبها ، فبينما تشير هي أن الدواء فقط يقوم بملاحقة ميكروب المرض للقضاء عليه . والكتب التربوية والأخلاقية تشبه إلى حد بعيد الوصفة الطبية ، بينما القرآن دواء وشفاء لأمراض السلوك البشري ، فآياته تلاحق الجراثيم والأمراض النفسية في قلب الإنسان وتقضي عليها ، لذلك لا يكتفي القرآن أن ينصحك بكيفية تكوين علاقاتك مع أولادك فحسب وإنما يتعمق حتى يصل إلى جذر المشكلة النفسية ويقتلعها ، فيضرب الأمثال ويبين حقائق التاريخ ويحللها . وقد سميت هذه السورة بمريم ؛ لأن علاقة مريم الصديقة بابنها عيسى عليه السلام كانت علاقة فريدة ونموذجية ، لا سيما وأن هذه السورة كما هو شأن الكثير من الآيات القرآنية تهدف - فيما تهدف - إلى جعل علاقة الإنسان بالحياة الدنيا علاقة سليمة . والقرآن الحكيم يوقفنا في هذه السورة المباركة ليبيّن لنا حقيقة هامة ، وهي : إن الخلاف العقائدي الذي انتشر حول النبي عيسى عليه السلام ، إنما كان بسبب عدم معرفة الله سبحانه ، والجهل بصفاتهوأسمائه ، وبقدراته الواسعة المطلقة ، وبكيفية خلقه للأشياء ، وأن هذا الخلاف ينبع من ضعف الإيمان بالآخرة . . أما عند الحديث عن الأسرة ؛ فيمكن القول بأن علاقات الإنسان يجب أن تكون علاقات إيمانية وسليمة مع أسرته ، وهو يحتاج في هذا الإطار إلى الاقتداء بأولياء الله الصالحين ، ليتخذ منهم أسوة في تصرفاته . وفي سورة مريم يذكّرنا القرآن ببعض تلك القدوات الصالحة ، كالأنبياء موسى وهارون وإسماعيل وزكريا ويحيى ، ومريم وابنها عيسى عليهم السلام . كما يضرب لنا من أمثلة السوء الذين عكسوا المطلوب ، وكانت علاقاتهم سيئة بالنسبة إلى أسرهم ، ممن ضيعوا الصلاة ، وتركوا عبادة الله ، واتبعوا شهواتهم . . ولكن الأسرة الفاضلة في الدنيا هي الأسرة التي تصنع في بيتها جنة معنوية ، تشبه إلى حدٍ بعيد جنات عدن في الآخرة . ومن عاش في جنان الدنيا المعنوية ، فحري به أن يعيشها في الآخرة ؛ نظراً لأن الآخرة صورة مصغرة من الدنيا ؛ من أعمال وتصورات وأفكار . . والقرآن الكريم حين يعرض لنا مشاهد يوم القيامة ، فإنه يشير إلى تلك الحقائق التي صنعت هذه المشاهد ، لكي يقرب فهم الإنسان من واقع عمله في الدنيا ، وكيف يتحوّل إلى واقع حي في الآخرة . ومن دروس هذه السور المباركة هي أن الله تعالى يريد معالجة النفس البشرية من مرض