السيد محمد تقي المدرسي
46
من هدى القرآن
بينات من الآيات : التسليم لقضاء الله [ 45 ] في بعض الأحاديث المروية : إن الشيطان دخل سفينة نوح متسللا « 1 » ، والواقع إن الحكمة في خلق البشر هي ابتلاؤه ، ووجود الشيطان جزء من معادلة الامتحان ، وانحراف البشر ليس دائما لوجود ضغوط خارجية عليه ، بل إن الهوى والشهوة ، والانجذاب إلى مظاهر الحياة الذي أودعه الله في كيان كل شخص هو الآخر جزء من معادلة الامتحان وحكمة الحياة . وهكذا نجد آدم عليه السلام - أبا البشر - أول من ارتكب الخطأ بدافع الملك والخلود ، قبل أن تدركه رحمة الله وتعصمه من الزلل . ونجد نوحا وقد خرج من محنة الصراع منتصرا على الجبت الداخلي والطاغوت الخارجي ، ولكنه لا يزال بحاجة إلى مغفرة الله ورحمته . يحتاج إلى رحمة الله حتى يعصمه من تكرار الزلل ، وهكذا دعا نوح ربه بلباقة أن يفي بوعده بإنقاذ أهله ، ولكن الله أجابه بصراحة : إنه ليس من أهلك لأن رابطتك الحقيقية هي مع الذين يعملون الصالحات ، وهذا الابن لا يملك مقياس العمل الصالح ( وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ) . [ 46 ] ( قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ ) ربما توحي هذه الآية بضرورة الرضا الكامل بالاقدار التي لا يعرف المرء حكمتها ، والتسليم المطلق للأوامر التي لا يفهم البشر فلسفتها . [ 47 ] إن درجة تسليم الأنبياء عليهم السلام لله ولأوامره وأقداره تصل إلى القمة ، بسبب تأديب ربنا لرسله الكرام ، ولذلك نجد نوحا عليه السلام يستعين بعصمة ربه لكي لا يسأل ربه ما ليس له به علم ، ولا يقترح عليه ما لا يعلم أنه في صالحه وصالح رسالته وأمته . ( قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ ) .
--> ( 1 ) عَنْ مُصْعَبِ بْنِ يَزِيدَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِالله عليه السلام قَالَ : » جَاءَ نُوحٌ عليه السلام إِلَى الْحِمَارِ لِيَدْخُلَ السَّفِينَةَ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ ، قَالَ : وَكَانَ إِبْلِيسُ بَيْنَ أَرْجُلِ الْحِمَارِ ، فَقَالَ : يَا شَيْطَانُ ادْخُلْ ، فَدَخَلَ الْحِمَارُ وَدَخَلَ الشَّيْطَانُ . . . . . . « . بحارالأنوار : ج 11 ، ص 323 .