السيد محمد تقي المدرسي
47
من هدى القرآن
إن مغفرة الله ضرورة حياتية للبشر لتزيل آثار الذنوب والسقطات التي يتعرض لها الإنسان أبدا . . فمن دونها تتراكم هذه الآثار حتى ترسي على قلبه ، وتحجب عقله ، كما أن رحمة الله ضرورة أخرى لاستمرار بقاء الإنسان نظيفا ، ولكي لا يدعوه الضعف والعجز إلى ارتكاب المعاصي ، وقد جاء في الدعاء : ( اللَّهُمَّ أَغْنِنَا بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ ، وَبِطَاعَتِكَ عَنْ مَعْصِيَتِكَ ، وَبِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاك . . . ) « 1 » ، فرحمة الله هي التي تعصم البشر من الذنوب ، لا فرق بين الرسل وغيرهم . [ 48 ] وهبط نوح بأمر الله يحمل معه هديتين إلى الأرض : السلام والبركة ، ويعني السلام المحافظة على النعمة القائمة والموجودة فعلا ، وبالتالي رفع الضرر الذي يهدد بزوال النعم ، بينما تعني البركة زيادة النعم والتقدم في حقول الحياة ( قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ) والسلام والبركة هما من الله بسبب رسالته . لذلك يسلبان عمن لا يعرف قيمة الرسالة فينحرف عنها ، لذلك خصص القرآن أمما دون أخرى للسلام والأمن قائلا : ( وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) وذلك بسبب أن هذا النوع الثاني من الأمم ينحرفون عن الرسالة ، ويبدلون دين الله . وربما توحي هذه الآية بأن سنة الحياة الأولية هي السلام والبركة لولا انحراف البشر فيها . خلاصة القصة [ 49 ] تلك كانت قصة نوح وقومه ، والعبرة التي نستفيدها منها اثنتان . أولًا : إن هذه الرسالة امتداد لتلك الرسالة حيث لم يكن أحد من قوم الرسول محمد عالما بقصة نوح ، أو لا أقل بتلك التفاصيل الدقيقة التي تسجل حتى الحالات النفسية ، والأسباب الاجتماعية ، والعوامل الطبيعية التي ساهمت في صنع وقائع القصة ، فجاء ذكرها جميعا شاهدا على صدق رسالة النيي محمد صلى الله عليه وآله . ثانياً : إن كل رسالة تتعرض لتحديات جاهلية ، وعلى حاملها أو حملتها التسلح بالتقوى ، والصبر انتظارا للعاقبة .
--> ( 1 ) مصباح الكفعمي : ص 170 .