السيد محمد تقي المدرسي

35

من هدى القرآن

ثم عاد وأكد عليه السلام على أنه لن يطرد المؤمنين الذين يقلل من شأنهم قومه لأن الله أعلم بما في أنفسهم ، فإن كانوا صادقين وافاهم أجلهم وأعطاهم الخير ، فكيف يطردهم نوح فيصبح ظالما لهم . بينات من الآيات : الرسول وأولياء الرسالة [ 29 ] لأن الملأ من قوم نوح ، وكذلك الملأ المستكبرين من كل قوم يستغلون الناس ، ويستثمرون طاقاتهم ، فلا يسعهم النظر إلى الأحداث إلا من خلال واقعهم الطبقي ، لذلك يتهمون الرسل بأنهم إنما يريدون الثروة من وراء دعوتهم ، وينفي الرسل بكل قوة هذه التهمة ليفصلوا بين دعوتهم الاصلاحية وبين دعوات الملأ التي تهدف المزيد من استغلال المستضعفين . ( وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ ) فنوح - شأنه شأن كل البشر - يطلب أجرا ويعمل لهدف ، ولكنه لا يطلبه من الناس بل من الله ، وبذلك أثبت نوح - مرة أخرى - الطابع الغيبي لرسالته . ولأن نوحا عليه السلام لا يريد الانتفاع بعلمه ليصبح رقما جديدا في قائمة الملأ يتقاسم معهم المكاسب الآتية من ظلم الناس واستغلالهم ، كما كان يفعل علماء السوء ، لذلك فهو يقف إلى جانب المظلومين ويقول بصراحة : ( وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ) . وقد يكون للطبقة السفلى التي تهرع إلى إلايمان بعض السلبيات المترسبة فيهم بسبب الجاهلية ، أو بسبب تعرضهم للظلم ، فرسالة السماء ليست مسؤولة عن سلبياتهم ، وعدم طردهم لا يعني أبدا أن رسول الله يزكيهم تماما ، بل إن حسابهم عند الله ( إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ ) بيد أن الملأ من قوم نوح لم يزالوا على ضلالتهم التي تقسم الناس على أساس المال أو الدم ( وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ) . [ 30 ] الطبقة الدنيا التي بادرت بالإيمان دخلت حصن الله ، والله يحمي الذين يتحصنون به ، ولو أراد أحد طردهم ، وأراد الله نصرهم فإن إرادة الله هي الغالبة ، ولا يملك من يطردهم قوة يرد بها غضب الله عليه ( وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ ) وفي هذه الآية دليل على أن احتفاظ رسول الله بالمؤمنين من الطبقات الدنيا ليست بهدف الانتصار بهم أو تكثير العدد