السيد محمد تقي المدرسي
18
من هدى القرآن
طلب المهلة ، فأعطاه الله ما طلب ، فأستغل إبليس مهلته في إغواء البشر عن الصراط المستقيم ، واقسم انه سيأتيهم من قدامهم ومن خلفهم ، ومن قبل أيمانهم وشمائلهم ، ليحرفهم عن الشكر لله ، لذلك أَخرج ربنا إبليس كما أَخرج الذين يتبعونه ، وأوعدهم النار ، وأن يملأ بهم جهنم جميعا . هكذا كانت جذور الانحراف عند الإنسان ، أما المثل الحي لهذا الانحراف فسوف يحدثنا عنه القرآن في الدرس القادم . بينات من الآيات : بين النعمة والجريمة [ 10 ] من نعم الله عز وجل على الإنسان تمكينه في الأرض ، وتذليل الأرض وتسخيرها له ، وجعل الله فيها معايش البشر ، وما به تستمر حياتهم وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ بيد أن البشر لا يفكر في أسباب النعم وعواملها ، لذلك لا يشكر عادة من أنعم بها عليه قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ . [ 11 ] من أين تنشأ عادة الجريمة ؟ . في قصة آدم وإبليس توضيح لهذا السؤال ، لقد خلق الله البشر وصور خلقه جوهرا وصورة وهيئة ، وربما المراد من الصورة هي ما أودع الله عند الإنسان من صفات وأخلاق ، ومن غرائز وفطرة ، وبالتالي العقل والإرادة كما قال سبحانه : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [ الحجر : 29 ] . وقال سبحانه : لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [ التين : 130 ] . وقال : فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [ غافر : 64 ] . وبعدئذ أمر الله الملائكة بالسجود لآدم ، وربما كان السجود رمزا لكرامة العلم والإرادة عند البشر ، ورمزا لتسخير الحياة للإنسان بفضل العلم والإرادة ، بيد أن الهدف من بيان قصة إبليس هنا ، يختلف عن هدف ذلك في سورة البقرة ، حيث كان الهدف هناك - حسب الظاهر - هو : بيان تسخير الحياة للإنسان بفضل العلم ، أما الهدف منها هنا فهو : بيان واقعة الخطيئة كيف ؟ ولماذا وقعت ؟ . وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ